موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣
والأخلاقية والتاريخية والعمليّة، كما نلمس ذلك واضحاً في النصّ العلويّ التالي: اِعلَموا أنَّهُ لَيسَ عَلى أحَدٍ بَعدَ القُرآنِ مِن فاقَةٍ، ولا لِأَحَدٍ قَبلَ القُرآنِ مِن غِنىً؛ فَاستَشفوهُ مِن أدوائِكُم وَاستَعينوا بِهِ عَلى لَأوائِكُم [١] ؛ فَإِنَّ فيهِ شِفاءً مِن أكبَرِ الدّاءِ؛ وهُوَ الكُفرُ وَالنِّفاقُ، وَالغَيُّ وَالضَّلالُ؛ فَاسأَلُوا اللّه َ بِهِ، وتَوَجَّهوا إلَيهِ بِحُبِّهِ، ولا تَسأَلوا بِهِ خَلقَهُ... وَاستَدِلّوهُ عَلى رَبِّكُم، وَاستَنصِحوهُ عَلى أنفُسِكُم، وَاتَّهِموا عَلَيهِ آراءَكُم، وَاستَغِشّوا فيهِ أهواءَكُم. [٢] من البديهي أنّ المخاطب بكلام الإمام هذا هو الاُمّة الإسلامية بأجمعها، ولا يقصد الإمام أن تتخصّص الاُمّة بأكملها بعلم التفسير لكي تستفيد من عطاء القرآن وأنواره، وإنّما هدفه أن يدعو الاُمّة إلى الالتحام بكتاب اللّه واستيحاء معارفه على مستوى المعرفة الإجمالية ، بالقدر الذي يتناسب مع استعدادها الإدراكي ويتواءم مع قدرتها على الفهم. على المدلول ذاته تلتقي جميع الآيات والروايات التي تحثّ الناس على التدبّر بالقرآن وتدعوهم للانتفاع من تعاليمه الكريمة والانغمار بأنواره، إذ هي تعني أنّ القرآن قابل للفهم من قبل هؤلاء الناس، كما هو الحال في الآية الكريمة: «كِتَـبٌ أَنزَلْنَـهُ إِلَيْكَ مُبَـرَكٌ لِّيَدَّبَّرُواْ ءَايَـتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبَـبِ » . [٣] إضافة إلى هذا، فقد سلفت الإشارة إلى أنّ إعجاز القرآن ـ الذي ما لبث هذا الكتاب الإلهي يتحدّى به الآخرين ـ إنّما يدلّ على أنّ ما ينطوي عليه هذا الكتاب المبين من عمق وما يحظى به من جمال لفظ وحلاوة معنى ، إنّما هو قابل للفهم من
[١] اللأْواء: المشقّة والشدّة (لسان العرب: ج ١٥ ص ٢٣٨ «لأي») .[٢] نهج البلاغة: الخطبة ١٧٦ ، بحار الأنوار: ج ٩٢ ص ٢٤ ح ٢٤ .[٣] ص : ٢٩ وراجع: النساء: ٨٢ والمؤمنون: ٦٨ ومحمّد: ٢٤ .