موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٦
ويترك لها من السنّة المكتوبة ما يحصنها عن الضياع، مانَع الخليفة الثاني ذلك وحال عملياً دون تحقّق المبادرة النبويّة، مرتكزاً في ممانعته إلى هذه النظرية. يروي البخاري هذه القصّة عن ابن عبّاس، على النحو التالي: لَمّا حُضِرَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله وفِي البَيتِ رِجالٌ فيهِم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله : هَلُمَّ أكتُب لَكُم كِتاباً لا تَضِلّوا بَعدَهُ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله قد غَلَبَ عَلَيهِ الوَجَعُ! وعِندَكُم القُرآنُ حَسبُنا كِتابُ اللّه ِ. [١] ينمّ هذا الكلام عن معنى يفيد أنّه لا مكان للسنّة في المعرفة الدينية مطلقاً ، وفي هذا السياق ارتكز المشروع الذي تبنّته مؤسّسة الخلافة في منع الحديث وحظر تدوينه بعد وفاة النبيّ وامتدّ على مدار قرن من الزمان إلى هذه النظرية . يكتب الذهبي في بيان ذلك: إنّ الصدِّيق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً؛ فلا تحدّثوا عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه ؛ فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. [٢] يبدو من أخبار بعض المحدّثين أنّ هذه الدعوى انتعشت مجدّداً في بعض الأوساط إبّان القرن الثالث الهجري، على ما يومِئ إليه الشافعي في كتاب جماع العلم، إذ خصّص في هذا الكتاب باباً جاء بعنوان: «حكاية قول الطائفة التي ردّت الأخبار كلّها». [٣]
[١] صحيح البخاري : ج ٥ ص ٢١٤٦ ح ٥٣٤٥ و ج ٦ ص ٢٦٨٠ ح ٦٩٣٢ ، مسند ابن حنبل : ج ١ ص ٧١٩ ح ٣١١١ ؛ الأمالي للمفيد : ص ٣٦ ح ٣ ، بحارالأنوار : ج ٢٢ ص ٤٧٤ ح ٢٢ . راجع : موسوعة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في الكتاب والسنّة والتاريخ : ج ٢ ص ٣٨٧ (القسم الثالث / غاية جهد النبيّ في تعيين الوليّ) .[٢] تذكرة الحفّاظ : ج ١ ص ٢ نقلاً عن مراسيل ابن أبي مليكة .[٣] الاُمّ : ج ٧ ص ٢٧٣ .