مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٤٩٣ - الأخبار الأصحاب
ثمّ ينطبق و يتربّع على وجه الأرض، فأشار المأمون إلى الناس أن كفّوا.
قال: فرموا ما في أيديهم من التراب، ثمّ امتلأ القبر و انطبق و تربّع على وجه الأرض، فانصرف المأمون و انصرفت، و دعاني المأمون و خلا بي، ثمّ قال [لي]:
أسألك باللّه يا هرثمة لمّا صدقتني عن أبي الحسن (قدّس اللّه روحه) بما سمعته منه.
فقلت: قد أخبرت أمير المؤمنين بما قال لي: فقال: باللّه إلّا ما صدقتني عمّا أخبرك به غير الذي قلت لي. قلت: يا أمير المؤمنين فعمّا تسألني؟ فقال: يا هرثمة هل أسرّ إليك شيئا غير هذا؟ قلت: نعم. قال: ما هو؟ قلت: خبر العنب و الرّمان.
قال: فأقبل المأمون يتلوّن ألوانا، يصفّر مرّة و يحمّر اخرى، و يسوّد اخرى، ثمّ تمدّد مغشيّا عليه، فسمعته في غشيته و هو يهجر و يقول: ويل للمأمون من اللّه، ويل له من رسوله، ويل له من عليّ، ويل للمأمون من فاطمة، ويل للمأمون من الحسن و الحسين، ويل للمأمون من عليّ بن الحسين، ويل للمأمون من محمّد بن عليّ، ويل للمأمون من جعفر بن محمّد، ويل للمأمون من موسى بن جعفر، ويل للمأمون من عليّ بن موسى الرضا، هذا- و اللّه- هو الخسران المبين. يقول هذا القول و يكرّره.
فلمّا رأيته قد أطال ذلك، ولّيت عنه فجلست في بعض نواحي الدار، قال:
فجلس و دعاني، فدخلت عليه و هو جالس كالسكران، فقال:
و اللّه ما أنت أعزّ عليّ منه و لا جميع من في الأرض و السماء، و اللّه لئن بلغني أنّك أعدت بعد ما سمعت و رأيت شيئا ليكوننّ هلاكك فيه.
قال: فقلت: يا أمير المؤمنين إن ظهرت على شيء من ذلك منّي فأنت في حلّ من دمي، قال: لا و اللّه، أو تعطيني عهدا و ميثاقا على كتمان هذا و ترك إعادته. فأخذ عليّ العهد و الميثاق و أكّده عليّ. قال: فلمّا ولّيت عنه صفق بيديه و قال:
«يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ، وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً» [١].
[١]- النساء: ١٠٨.