مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٢٩٦ - الأخبار الأصحاب
«فمن حاجّك فيه» [١] الآية. فدعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الحسن و الحسين (عليهما السلام)- فكانا ابنيه- و دعا فاطمة (عليها السلام) فكانت- في هذا الموضع- نساءه، و دعا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكان نفسه بحكم اللّه عزّ و جلّ. فثبت أنّه ليس أحد من خلق اللّه سبحانه و تعالى أجلّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أفضل، فوجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بحكم اللّه عزّ و جلّ.
قال: فقال له المأمون: أ ليس قد ذكر اللّه تعالى الأبناء بلفظ الجمع، و إنّما دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ابنيه خاصّة، و ذكر النساء بلفظ الجمع، و إنّما دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ابنته وحدها، فألا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه و يكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره، فلا يكون لأمير المؤمنين (عليه السلام) ما ذكرت من الفضل؟
قال: فقال له الرضا (عليه السلام): ليس يصحّ ما ذكرت يا أمير المؤمنين، و ذلك أنّ الداعي إنّما يكون داعيا لغيره، كما أنّ الآمر آمر لغيره، و لا يصحّ أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة، كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة، و إذا لم يدع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجلا في المباهلة إلّا أمير المؤمنين (عليه السلام) [٢] فقد ثبت أنّه نفسه الّتي عنى اللّه تعالى في كتابه، و جعل حكمه ذلك في تنزيله. قال: فقال المأمون: إذا ورد الجواب سقط السؤال. [٣]
[١]- آل عمران: ٦١.
[٢]- أقول: في قوله (عليه السلام): «لم يدع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجلا في المباهلة إلّا أمير المؤمنين» نكتة لطيفة رائدة على ما ورد في تفسير قوله تعالى: «قل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم، و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم، ثمّ نبتهل ...» حيث ورد اللفظ القرآني بصيغة الجمع في متعلّق الأمر في دعوة هذه الأصناف الثلاثة، و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) لم يأت إلّا بالحسن و الحسين، و فاطمة، و عليّ (عليهم السلام). و في هذا أقوى دليل على أنّ «أنفسنا» غير نفسه (صلّى اللّه عليه و آله) الحقيقة الذاتيّة أولا، و على حصر الأولاد و النساء و الأنفس آنذاك بهم (عليهم السلام) ثانيا.
فتدبّر كما قال تعالى: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها». إنّ الرسول الأعظم أطاع ربّه، و ما عصى، و ما ظلم.
[٣]- ١/ ١٦، عنه البحار: ١٠/ ٣٥٠ ح ١٠، و ج ٣٥/ ٢٥٧، و ج ٤٩/ ١٨٨ ح ٢٠.