البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٥
عصب إلا الجمجمة، و الكفان. و كان يطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، و لم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه. فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فأتى به مكة، فخرج اليه أربعة من قريش عبد شمس، و هاشم ابنا عبد مناف بن قصي، و الأحوص بن فهر، و عقيل بن أبى وقاص فانتموا إلى غير نسبهم و قالوا نحن أناس من جمح أتيناك بلغنا قدومك، فرأينا أن إتياننا إياك حق لك واجب علينا و أهدى اليه عقيل صفيحة هندية، و صعدة ردينية، فوضعت على باب البيت الحرام لينظروا، أهل يراها سطيح أم لا. فقال: يا عقيل ناولني يدك فناوله يده فقال: يا عقيل و العالم الخفية، و الغافر الخطية، و الذمة الوفية، و الكعبة المبنية، إنك للجائي بالهدية، الصفيحة الهندية، و الصعدة الردينية. قالوا صدقت يا سطيح، فقال و الآتي بالفرح، و قوس قزح، و سائر الفرح، و اللطيم المنبطح، و النخل و الرطب و البلح، إن الغراب حيث مرّ سنح، فأخبر أن القوم ليسوا من جمح، و إن نسبهم من قريش ذي البطح قالوا صدقت يا سطيح نحن أهل البيت الحرام، أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك. فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا و ما يكون بعده فلعل أن يكون عندك في ذلك علم قال: الآن صدقتم، خذوا منى و من إلهام اللَّه إياي، أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم، سواء بصائركم و بصائر العجم، لا علم عندكم و لا فهم، و ينشو من عقبكم ذوو فهم، يطلبون أنواع العلم، فيكسرون الصنم، و يبلغون الردم، و يقتلون العجم، يطلبون الغنم، قالوا يا سطيح فمن يكون أولئك؟ فقال لهم: و البيت ذي الأركان، و الأمن و السكان لينشؤن من عقبكم ولدان يكسرون الأوثان، و ينكرون عبادة الشيطان و يوحدون الرحمن، و ينشرون دين الديان، يشرفون البنيان، و يستفتون الفتيان، قالوا يا سطيح من نسل من يكون أولئك؟ قال:
و أشرف الاشراف، و المفضي للاشراف، و المزعزع الأحقاف، و المضعف لاضعاف، لينشؤن الألاف من عبد شمس و عبد مناف، نشوءا يكون فيه اختلاف. قالوا يا سوأتاه يا سطيح مما تخبرنا من العلم بأمرهم و من أي بلد يخرج أولئك؟ فقال و الباقي الأبد، و البالغ الأمد، ليخرجن من ذا البلد، فنى يهدى إلى الرشد يرفض يغوث و الفند، يبرأ من عبادة الضدد، يعبد ربا انفرد، ثم يتوفاه اللَّه محمودا، من الأرض مفقودا، و في السماء مشهودا. ثم يلي أمره الصديق إذا قضى صدق، في رد الحقوق لا خرق و لا نزق ثم يلي أمره الحنيف، مجرب غطريف، و يترك قول العنيف. قد ضاف المضيف. و أحكم التحنيف.
ثم يلي أمره داعيا لأمره مجربا، فتجتمع له جموعا و عصبا، فيقتلونه نقمة عليه و غضبا، فيؤخذ الشيخ فيذبح أربا فيقوم به رجال خطبا. ثم يلي أمره الناصر يخلط الرأى برأي المناكر يظهر في الأرض العساكر ثم يلي بعده ابنه يأخذ جمعه و يقل حمده. و يأخذ المال و يأكل وحده، و يكثر المال بعقبه من بعده، ثم يلي من بعده عدة ملوك لا شك الدم فيهم مسفوك، ثم بعدهم الصعلوك يطويهم كطيّ الدرنوك. ثم يلي من بعده عظهور يقصى الحق و يدنى مصر يفتتح الأرض افتتاحا منكرا، ثم يلي قصير القامة، بظهره علامة