البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٥ - ذكر شيء من أخبار أمية بن أبى الصلت الثقفي كان من شعراء الجاهلية و قد أدرك زمن الإسلام
دنوت منه فحركته فقلت هل تجد شيئا. قال: لا إلا توهينا في جسدي- و قد كنت ارتعبت مما رأيت- فقال ما لي أراك مرتاعة. قالت فأخبرته الخبر فقال خير أريد بى ثم صرف عنى ثم انشأ يقول:
باتت همومي تسرى طوارقها* * * أكف عيني و الدمع سابقها
مما أتانى من اليقين و لم* * * أوت براة يقص ناطقها
[١]
أم من تلظى عليه واقدة النار* * * محيط بهم سرادقها
أم أسكن الجنة التي وعد* * * الأبرار مصفوفة نمارقها
لا يستوي المنزلان ثم و لا* * * الأعمال لا تستوي طرائقها
هما فريقان فرقة تدخل الجنة* * * حفت بهم حدائقها
و فرقة منهم قد ادخلت النار* * * فساءتهم مرافقها
تعاهدت هذه القلوب إذا* * * همت بخير عاقت عوائقها
و صدها للشقاء عن طلب* * * الجنة دنيا اللَّه ماحقها
عبد دعا نفسه فعاتبها* * * يعلم ان البصير رامقها
ما رغّب النفس في الحياة و ان* * * تحيا قليلا فالموت لاحقها
يوشك من فر من منيته* * * يوما على غرة يوافقها
ان لم تمت غبطة تمت هرما* * * للموت كأس و المرء ذائقها
قال ثم انصرف الى رحله فلم يلبث الا يسيرا حتى طعن في حيارته [١] فأتاني الخبر فانصرفت اليه فوجدته منعوشا قد سجى عليه فدنوت منه فشهق شهقة و شق بصره و نظر نحو السقف و رفع صوته. و قال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيفدينى و لا ذو أهل فتحمينى. ثم أغمي عليه إذ شهق شهقة فقلت قد هلك الرجل. فشق بصره نحو السقف فرفع صوته. فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو براءة فأعتذر، و لا ذو عشيرة فأنتصر. ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة و شق بصره و نظر نحو السقف. فقال:
لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، بالنعم محفود و بالذنب محصود، ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة. فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما
إن تغفر اللَّهمّ تغفر جما* * * و أي عبد لك لا ألمّا
ثم أغمى عليه إذ شهق شهقة فقال:
كل عيش و ان تطاول دهرا* * * صائر مرة [٢] الى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي* * * في قلال الجبال أرعى الوعولا
[١] كذا في النسختين و لم يظهر لنا المعنى
[٢] في شعراء النصرانية: منتهى امره الى ان يزولا