البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠١ - الكلام على قريش نسبا و اشتقاقا و فضلا و هم بنو النضر بن كنانة
قال جاء رجل من كندة يقال له الجشيش الى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال يا رسول اللَّه إنا نزعم ان عبد مناف منا فاعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك ثم أعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا و لا ننتفى من أبينا فقال الأشعث ألا كنت سكت من المرة الاولى فأبطل ذلك قولهم على لسان نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)
و هذا غريب أيضا من هذا الوجه و الكلبي ضعيف و اللَّه أعلم.
و قد قال الامام احمد حدثنا بهز و عفان قالا ثنا حماد بن سلمة. قال ثنى عقيل بن أبى طلحة و قال عفان عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن الهيصم عن الأشعث بن قيس أنه قال أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في وفد كندة. قال عفان- لا يرونى أفضلهم قال فقلت يا رسول اللَّه إنا نزعم أنكم منا قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا و لا ننتفى من أبينا. قال فقال الأشعث بن قيس فو اللَّه لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد. و هكذا رواه ابن ماجة من طرق عن حماد ابن سلمة به
و هذا إسناد جيد قوى و هو فيصل في هذه المسألة فلا التفات الى قول من خالفه و اللَّه أعلم و للَّه الحمد و المنة. و قد قال جرير بن عطية التميمي يمدح هشام بن عبد الملك بن مروان:
فما الأم التي ولدت قريشا* * * بمقرفة النجار و لا عقيم
و ما قرم بأنجب من أبيكم* * * و لا خال بأكرم من تميم
قال ابن هشام: يعنى أم النضر بن كنانة و هي برة بنت مرّ أخت تميم بن مر.
و أما اشتقاق قريش فقيل من التقرش و هو التجمع بعد التفرق و ذلك في زمن قصي بن كلاب فإنهم كانوا متفرقين فجمعهم بالحرم كما سيأتي بيانه و قد قال حذافة بن غانم العدوي:
أبوكم قصي كان يدعى مجمّعا* * * به جمع اللَّه القبائل من فهر
و قال بعضهم: كان قصي يقال له قريش قيل من التجمع و التقرش التجمع كما قال أبو خلدة اليشكري:
اخوة قرشوا الذنوب علينا* * * في حديث من دهرنا و قديم
و قيل سميت قريش من التقرش و هو التكسب و التجارة حكاه ابن هشام (رحمه اللَّه). و قال الجوهري القرش الكسب و الجمع و قد قرش يقرش قال الفراء و به سميت قريش و هي قبيلة و أبوهم النضر بن كنانة فكل من كان من ولده فهو قرشي دون ولد كنانة فما فوقه. و قيل من التفتيش قال هشام بن الكلبي كان النضر بن كنانة تسمى قريشا لأنه كان يقرش عن خلة الناس و حاجتهم فيسدها بماله و التقريش هو التفتيش و كان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم فسموا بذلك من فعلهم و قرشهم قريشا و قد قال الحارث بن حازة في بيان أن التقرش التفتيش:
أيها الناطق المقرّش عنا* * * عند عمرو فهل له إبقاء
حكى ذلك الزبير بن بكار و قيل قريش تصغير قرش و هو دابة في البحر قال بعض الشعراء: