البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٤ - * باب بيان أن اللَّه تعالى منزه عن الولد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ أي ليس هذا يستحقه أحد سواك و إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. و هذا تأدب عظيم في الخطاب و الجواب ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ حين أرسلتنى اليهم و أنزلت على الكتاب الّذي كان يتلى عليهم ثم فسر ما قال لهم بقوله أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ أي خالقي و خالقكم و رازقي و رازقكم وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي رفعتني إليك حين أرادوا قتلى و صلبى فرحمتني و خلصتني منهم و ألقيت شبهي على أحدهم حتى انتقموا منه فلما كان ذلك (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). ثم قال على وجه التفويض الى الرب عز و جل و التبري من أهل النصرانية إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ أي و هم يستحقون ذلك وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. و هذا التفويض و الاسناد الى المشيئة بالشرط لا يقتضي وقوع ذلك و لهذا قال فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ و لم يقل الغفور الرحيم و قد ذكرنا في التفسير ما
رواه الامام احمد عن أبى ذر ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ و قال إني سألت ربى عز و جل الشفاعة لأمتي فأعطانيها و هي نائلة إن شاء اللَّه تعالى لمن لا يشرك باللَّه شيئا.
و قال وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ. وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ و قال تعالى لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ. خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. و قال تعالى قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ و قال تعالى وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً و قال تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ و ثبت
في الصحيح عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال يقول اللَّه تعالى شتمني ابن آدم و لم يكن له ذلك يزعم أن لي ولدا و أنا الأحد الصمد الّذي لم ألد و لم أولد و لم يكن لي كفوا أحد
و في الصحيح أيضا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللَّه إنهم يجعلون له ولدا و هو يرزقهم و يعافيهم
و لكن ثبت
في الصحيح أيضا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال ان اللَّه ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
و هكذا قوله تعالى وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَ هِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ و قال تعالى نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ و قال تعالى قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ