البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٣ - * باب بيان أن اللَّه تعالى منزه عن الولد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
مِنْ أَنْصارٍ. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ حكم تعالى بكفرهم شرعا و قدرا فأخبر أن هذا صدر منهم مع أن الرسول اليهم هو عيسى بن مريم قد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق مصور في الرحم داع الى عبادة اللَّه وحده لا شريك له و توعدهم على خلاف ذلك بالنار و عدم الفوز بدار القرار و الخزي في الدار الاخرة و الهوان و العار و لهذا قال إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْواهُ النَّارُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ثم قال لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ قال ابن جرير و غيره المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة. أقنوم الأب و أقنوم الابن و أقنوم الكلمة المنبثقة من الأب الى الابن على اختلافهم في ذلك ما بين المليكية و اليعقوبية و النسطورية عليهم لعائن اللَّه كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك و مجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس و ذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة و قبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة و لهذا قال تعالى وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ أي و ما من إله الا اللَّه وحده لا شريك له و لا نظير له و لا كفؤ له و لا صاحبة له و لا ولد ثم توعدهم و تهددهم فقال (وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ثم دعاهم برحمته و لطفه الى التوبة و الاستغفار من هذه الأمور الكبار و العظائم التي توجب النار فقال أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثم بين حال المسيح و امه و انه عبد رسول و أمه صديقة أي ليست بفاجرة كما يقوله اليهود لعنهم اللَّه و فيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا و قوله كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما اى و من كان بهذه المثابة كيف يكون إلها تعالى اللَّه عن قولهم و جهلهم علوا كبيرا* و قال السدي و غيره المراد بقوله لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه ثالث ثلاثة زعمهم في عيسى و أمه أنهما الالهان مع اللَّه يعنى كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يخبر تعالى أنه يسأل عيسى بن مريم يوم القيامة على سبيل الاكرام له و التقريع و التوبيخ لعابديه فمن كذب عليه و افترى و زعم أنه ابن اللَّه أو أنه اللَّه أو أنه شريكه تعالى اللَّه عما يقولون فيسأله و هو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه و لكن لتوبيخ من كذب عليه فيقول له أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ أي تعاليت أن يكون معك شريك