البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧١ - * باب بيان أن اللَّه تعالى منزه عن الولد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
وَ لَمْ يُولَدْ أي و لم يتولد عن شيء قبله وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أي و ليس له عدل و لا مكافئ و لا مساو فقطع النظير المدانى الأعلى و المساوي فانتفى أن يكون له ولد إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا* و قال تبارك و تعالى و تقدس يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا* لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَ اسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ لا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً).
ينهى تعالى أهل الكتاب و من شابههم عن الغلو و الإطراء في الدين و هو مجاوزة الحد فالنصارى لعنهم اللَّه غلوا و أطروا المسيح حتى جاوزوا الحد فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته العذراء البتول التي أحصنت فرجها فبعث اللَّه الملك جبريل اليها فنفخ فيها عن أمر اللَّه نفخة حملت منها بولدها عيسى (عليه السلام) و الّذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة الى اللَّه اضافة تشريف و تكريم و هي مخلوقة من مخلوقات اللَّه تعالى كما يقال بيت اللَّه و ناقة اللَّه و عبد اللَّه و كذا روح اللَّه أضيفت اليه تشريفا لها و تكريما. و سمى عيسى بها لانه كان بها من غير أب و هي الكلمة أيضا التي عنها خلق و بسببها وجد كما قال تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. و قال تعالى وَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. و قال تعالى وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. فأخبر تعالى أن اليهود و النصارى عليهم لعائن اللَّه كل من الفريقين ادعوا على اللَّه شططا و زعموا أن له ولدا تعالى اللَّه عما يقولون علوا كبيرا و أخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه و لا فيما ائتفكوه الا مجرد القول و مشابهة من سبقهم الى هذه المقالة الضالة تشابهت قلوبهم و ذلك أن الفلاسفة عليهم لعنة اللَّه زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب الوجود الّذي يعبرون عنه بعلة العلل و المبدإ الأول و انه صدر عن العقل الأول عقل ثان و نفس و فلك ثم صدر عن الثاني كذلك حتى تناهت العقول الى عشرة و النفوس الى تسعة و الأفلاك الى تسعة باعتبارات فاسدة ذكروها و اختيارات باردة أوردوها و لبسط الكلام معهم و بيان جهلهم و قلة عقلهم موضع آخر. و هكذا طوائف من مشركي العرب زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات اللَّه و انه صاهر سروات الجن فتولد منهما الملائكة تعالى اللَّه عما