البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٠ - * باب بيان أن اللَّه تعالى منزه عن الولد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
أي فاختلف أهل ذلك الزمان و من بعدهم فيه فمن قائل من اليهود إنه ولد زنية و استمروا على كفرهم و عنادهم و قابلهم آخرون في الكفر فقالوا هو اللَّه و قال آخرون هو ابن اللَّه و قال المؤمنون هو عبد اللَّه و رسوله و ابن أمته و كلمته ألقاها إلى مريم، و روح منه و هؤلاء هم الناجون المثابون المؤيدون المنصورون و من خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون و قد توعدهم العلى العظيم الحكيم العليم بقوله فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
قال البخاري حدثنا صدقة بن الفضل أنبأنا الوليد حدثنا الأوزاعي حدثني عمير بن هانئ حدثني جنادة بن أبى أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (من شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و أن عيسى عبد اللَّه و رسوله و كلمته ألقاها الى مريم و روح منه و الجنة حق و النار حق أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل) قال الوليد فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير عن جنادة و زاد من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء. و قد رواه مسلم عن داود بن رشيد عن الوليد عن جابر به و من طريق أخرى عن الأوزاعي به
* باب بيان أن اللَّه تعالى منزه عن الولد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
قال تعالى في آخر هذه السورة وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا أي شيئا عظيما و منكرا من القول و زورا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً* وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً* إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً* لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا* وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لانه خالق كل شيء و مالكه و كل شيء فقير اليه، خاضع دليل لديه و جميع سكان السموات و الأرض عبيده و هو ربهم لا إله إلا هو و لا رب سواه كما قال تعالى وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَ خَلَقَهُمْ وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالى عَمَّا يَصِفُونَ* بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ* لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ* فبين أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد و الولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين و اللَّه تعالى لا نظير له و لا شبيه له و لا عديل له فلا صاحبة له فلا يكون له ولد كما قال تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ تقرر أنه الأحد الّذي لا نظير له في ذاته و لا في صفاته و لا في أفعاله (الصَّمَدُ) و هو السيد الّذي كمل في علمه و حكمته و رحمته و جميع صفاته لَمْ يَلِدْ أي لم يوجد منه ولد