البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٩ - ذكر خراب بيت المقدس
بى فأكرمك و أواسيك و ان أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك) قال له أرميا إني لم أزل في أمان اللَّه منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط و لو أن بنى إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك و لا غيرك و لم يكن لك عليهم سلطان فلما سمع بختنصّر هذا القول منه تركه فأقام أرميا مكانه بأرض إيليا. و هذا سياق غريب. و فيه حكم و مواعظ و أشياء مليحة و فيه من جهة التعريب غرابة.
و قال هشام بن محمد بن السائب الكلبي كان نصر أصفهبذا لما بين الأهواز الى الروم للملك على الفرس و هو لهراسب و كان قد بنى مدينة بلخ التي تلقب بالخنساء و قاتل الترك و الجأهم الى أضيق الأماكن و بعث نصر لقتال بنى إسرائيل بالشام فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق و قد قيل إن الّذي بعث بختنصّر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب و ذلك لتعدى بنى إسرائيل على رسله اليهم. و قد روى ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن بن وهب عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب أن نصر لما قدم دمشق وجد بها دما يغلي على كبا يعنى القمامة فسألهم ما هذا الدم فقالوا أدركنا آباءنا على هذا و كلما ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك سبعين الفا من المسلمين و غيرهم فسكن. و هذا إسناد صحيح الى سعيد بن المسيب و قد تقدم من كلام الحافظ بن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا و هذا لا يصح لأن يحيى بن زكريا بعد نصر بمدة و الظاهر أن هذا دم نبي متقدم أو دم لبعض الصالحين أو لمن شاء اللَّه ممن اللَّه أعلم به.
قال هشام بن الكلبي ثم قدم نصر بيت المقدس فصالحه ملكها و كان من آل داود و صانعه عن بنى إسرائيل و أخذ منه نصر رهائن و رجع. فلما بلغ طبرية بلغه أن بنى إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه فضرب رقاب من معه من الرهائن و رجع اليهم فاخذ المدينة عنوة. و قتل المقاتلة و سبى الذرية. قال و بلغنا أنه وجد في السجن أرميا النبي فأخرجه و قص عليه ما كان من أمره إياهم و تحذيره لهم عن ذلك فكذبوه و سجنوه فقال نصر بئس القوم قوم عصوا رسول اللَّه و خلى سبيله و أحسن اليه و اجتمع اليه من بقي من ضعفاء بنى إسرائيل فقالوا إنا قد أسأنا و ظلمنا و نحن نتوب الى اللَّه عز و جل مما صنعنا فادع اللَّه أن يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى اللَّه اليه أنه غير فاعل فان كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة فأخبرهم ما أمره اللَّه تعالى به فقالوا كيف نقيم بهذه البلدة و قد خربت و غضب اللَّه على أهلها فأبوا ان يقيموا.
قال ابن الكلبي و من ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد فنزلت طائفة منهم الحجاز و طائفة يثرب و طائفة وادي القرى و ذهبت شرذمة منهم الى مصر فكتب نصر الى ملكها يطلب منه من شرد منهم اليه فأبى عليه فركب في جيشه فقاتله و قهره و غلبه و سبى ذراريهم. ثم ركب الى بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية. قال ثم انصرف بسبي كثير من أرض المغرب و مصر و أهل بيت