البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٥
خائفين وجلين من وعيده. فسمع بذلك دانيال (عليه السلام) و هو في سجنه. فقال للسجان: اذهب اليه فقل له إن هاهنا رجلا عنده علم رؤياك و تأويلها. فذهب اليه فأعلمه فطلبه، فلما دخل عليه لم يسجد له.
فقال له ما منعك من السجود لي؟ فقال: إن اللَّه آتاني علما و علمني و أمرنى أن لا أسجد لغيره. فقال له بختنصّر إني أحب الذين يوفون لأربابهم بالعهود. فأخبرني عن رؤياي. قال له دانيال: رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض و رأسه في السماء، أعلاه من ذهب و وسطه من فضة، و أسفله من نحاس، و ساقاه من حديد، و رجلاه من فخار، فبينا أنت تنظر اليه قد أعجبك حسنه و إحكام صنعته قذفه اللَّه بحجر من السماء. فوقع على قمة رأسه حتى طحنه و اختلط ذهبه و فضته و نحاسه و حديدة و فخاره حتى تخيل لك أنه لو اجتمع الانس و الجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك. و نظرت إلى الحجر الّذي قذف به يربو و يعظم و ينتشر حتى ملأ الأرض كلها فصرت لا ترى الا الحجر و السماء.
فقال له بختنصّر صدقت هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها؟ فقال دانيال أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان و في وسطه و في آخره، و أما الحجر الّذي قذف به الصنم فدين يقذف اللَّه به هذه الأمم في آخر الزمان فيظهره عليها فيبعث اللَّه نبيا أميا من العرب فيدوخ به الأمم و الأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم و يظهر على الأديان و الأمم كما رأيت الحجر ظهر على الأرض كلها، فيمحص اللَّه به الحق و يزهق به الباطل و يهدى به أهل الضلالة و يعلم به الأميين و يقوى به الضعفة و يعز به الاذلة و ينصر به المستضعفين. و ذكر تمام القصة في اطلاق بختنصّر بنى إسرائيل على يدي دانيال (عليه السلام)، و ذكر الواقدي بأسانيده عن المغيرة بن شعبة في قصة وفوده على المقوقس ملك الاسكندرية و سؤاله له عن صفات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قريبا من سؤال هرقل لأبي سفيان صخر بن حرب، و ذكر أنه سأل اساقفة النصارى في الكنائس عن صفة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أخبروه عن ذلك و هي قصة طويلة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الدلائل. و ثبت
في الصحيح أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرّ بمدارس اليهود فقال لهم «يا معشر اليهود أسلموا فو الّذي نفسي بيده إنكم لتجدون صفتي في كتبكم» الحديث.
و قال الامام أحمد: حدثنا موسى بن داود حدثنا فليح بن سليمان عن هلال بن على عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فقلت أخبرنى عن صفات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في التوراة فقال أجل و اللَّه إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا، و حرزا للاميين، أنت عبدي و رسولي سميتك المتوكل لافظ و لا غليظ و لا صخاب في الأسواق و لا يدفع بالسيئة السيئة و لكن يعفو و يغفر و لن يقبضه اللَّه حتى يقيموا الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا اللَّه يفتح به أعينا عميا و آذانا صما و قلوبا غلفا. و رواه البخاري عن محمد بن سنان العوفيّ عن فليح به. و رواه أيضا عن عبد اللَّه- قيل ابن رجاء، و قيل ابن صالح- عن عبد العزيز بن أبى سلمة عن هلال بن علوية و لفظه قريب