البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٤
و ذكر أن خاله قال: كنت جالسا عند النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذ شخص بصره إلى رجل فإذا يهودي عليه قميص و سراويل و نعلان. قال فجعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يكلمه و هو يقول: يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)» أ تشهد أنى رسول اللَّه؟» قال لا. قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أ تقرأ التوراة؟» قال نعم قال «أ تقرأ الإنجيل؟» قال نعم. قال «و القرآن؟» قال لا. و لو تشاء قرأنه. فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «فبم تقرأ التوراة و الإنجيل، أ تجدني نبيا؟» قال إنا نجد نعتك و مخرجك. فلما خرجت رجونا أن تكون فينا. فلما رأيناك عرفناك انك لست به. قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «و لم يا يهودي؟» قال: إنا نجده مكتوبا، يدخل من أمته الجنة سبعون ألفا بغير حساب، و لا نرى معك إلا نفرا يسيرا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إن أمتى لأكثر من سبعين ألفا و سبعين ألفا».
هذا حديث غريب من هذا الوجه، و لم يخرجوه.
و قال محمد بن إسحاق عن سالم مولى عبد اللَّه بن مطيع عن أبى هريرة قال: أنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [يهود] فقال «أخرجوا أعلمكم» فقالوا عبد اللَّه بن صوريا، فخلا به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فناشده بدينه، و ما أنعم اللَّه به عليهم، و أطعمهم من المنّ و السلوى، و ظللهم به من الغمام «أ تعلمني رسول اللَّه؟» قال اللَّهمّ نعم.
و ان القوم ليعرفون ما أعرف، و أن صفتك و نعتك لمبين في التوراة. و لكنهم حسدوك. قال «فما يمنعك أنت؟» قال أكره خلاف قومي. و عسى أن يتبعوك و يسلموا فأسلم.
و قال سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول كتب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى يهود خيبر «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من محمد رسول اللَّه صاحب موسى، و أخيه، و المصدق بما جاء به موسى، ألا إن اللَّه قال لكم يا معشر يهود و أهل التوراة، إنكم تجدون ذلك في كتابكم: إن محمدا رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ. ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً. و إني أنشدكم باللَّه و بالذي أنزل عليكم، و أنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسلافكم و أسباطكم المن و السلوى، و أنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاكم من فرعون و عمله إلا أخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل اللَّه عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ فان كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم، قد تبين الرشد من الغي. و أدعوكم إلى اللَّه و إلى نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)».
و قد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب المبتدإ عن سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب الأحبار، و روى غيره عن وهب بن منبه أن بختنصّر بعد أن خرب بيت المقدس و استذل بنى إسرائيل بسبع سنين رأى في المنام رؤيا عظيمة هالته فجمع الكهنة و الحزر، و سألهم عن رؤياه تلك. فقالوا ليقصها الملك حتى نخبره بتأويلها. فقال: إني نسيتها، و إن لم تخبرونى بها إلى ثلاثة أيام قتلتكم عن آخركم. فذهبوا