البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٣
المولد من طريق بقية عن صفوان بن عمرو عن حجر بن حجر عن أبى مريق أن إعرابيا قال يا رسول اللَّه أيّ شيء كان أول أمر نبوتك؟ فقال «أخذ اللَّه منى الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم. و رأت أم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام
[١]. و
قال الامام محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، أخبرنا عن نفسك. قال «دعوة أبى إبراهيم، و بشرى عيسى. و رأت أمى حين حبلت كأنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام»
إسناده جيد أيضا. و فيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى و إنها أول بقعة من أرض الشام خلص اليها نور النبوة، و للَّه الحمد و المنة و لهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام و كان فتحها صلحا في خلافة أبى بكر رضى اللَّه عنه، كما سيأتي بيانه. و قد قدمها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرتين في صحبة عمه أبى طالب و هو ابن اثنتي عشرة سنة و كانت عندها قصة بحيرى الراهب كما بيناه. و الثانية و معه ميسرة مولى خديجة في تجارة لها. و بها مبرك الناقة التي يقال لها ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بركت عليه فأثر ذلك فيها فيما يذكر. ثم نقل و بنى عليه مسجد مشهور اليوم. و هي المدينة التي أضاءت أعناق الإبل عندها من نور النار التي خرجت من أرض الحجاز سنة أربع و خمسين و ستمائة وفق ما
أخبر به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قوله «تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى»
و سيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء اللَّه، و به الثقة و عليه التكلان.
و قال اللَّه تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الآية.
قال الامام احمد حدثنا إسماعيل عن الجريريّ عن أبى صخر العقيلي حدثني رجل من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فلما فرغت من بيعي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعنّ منه. قال: فتلقاني بين أبى بكر و عمر يمشون، فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزى بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان و أجملهم. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجدني في كتابك ذا صفتي و مخرجي؟» فقال برأسه هكذا- أي لا- فقال ابنه: إي و الّذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك و مخرجك و أشهد أن لا إله إلا اللَّه، و أنك رسول اللَّه. فقال: «أقيموا اليهودي عن أخيكم» ثم ولى كفنه و الصلاة عليه.
هذا إسناد جيد و له شواهد في الصحيح عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه. و
قال أبو القاسم البغوي حدثنا عبد الواحد ابن غياث- أبو بحر- حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الصلتان بن عاصم
[١] هذه الجملة ليست في المصرية.