البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٧ - ذكر أخبار غريبة في ذلك
و دهماء العرب، فدخلت مكة بليل مسدف فأقمت حتى تعرى عنى قميص الليل فرفعت رأسي فإذا قباب مسامتة شعف الجبال، مضروبة بأنطاع الطائف و إذا جزر تنحر و أخرى تساق، و إذا أكلة و حثثة على الطهاة يقولون: الا عجلوا الا عجلوا، و إذا رجل يجهر على نشز من الأرض، ينادى يا وفد اللَّه ميلوا إلى الغداء. و أنيسان على مدرجة يقول: يا وفد اللَّه من طعم فليرح إلى العشاء، فجهرنى ما رأيت فأقبلت أريد عميد القوم، فعرف رجل الّذي بى، فقال أمامك، و إذا شيخ كأن في خديه الأساريع، و كأن الشعرى توقد من جبينه، قد لاث على رأسه عمامة سوداء قد أبرز من ملئها جمة فينانة كأنها سماسم.
قال في بعض الروايات تحته كرسي سماسم [١] و من دونها نمرقة بيده قضيب متخصر به حوله مشايخ جلس نواكس الأذقان ما منهم أحد يفيض بكلمة. و قد كان نمى إلى خبر من أخبار الشام أن النبي الأمي هذا أوان نجومه، فلما رأيته ظننته ذلك. فقلت السلام عليك يا رسول اللَّه. فقال: مه مه، كلا و كأن قد و ليتني إياه فقلت من هذا الشيخ؟ فقالوا هذا أبو نضلة، هذا هاشم بن عبد مناف، فوليت و أنا أقول هذا و اللَّه المجد لامجد آل جفنة- يعنى ملوك عرب الشام من غسان كان يقال لهم آل جفنة-.
و هذه الوظيفة التي حكاها عن هاشم هي الرفادة يعنى إطعام الحجيج زمن الموسم.
و قال أبو نعيم: حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن احمد بن أبى يحيى حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا على بن قتيبة الخراساني حدثنا خالد بن الياس عن أبى بكر بن عبد اللَّه بن أبى الجهم عن أبيه عن جده. قال سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش و على مطرف خز و جمتي تضرب منكبى فلما نظرت إليّ عرفت في وجهي التغيير و أنا يومئذ سيد قومي فقالت: ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون؟ هل رابه من حدثان الدهر شيء؟ فقلت لها بلى! و كان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى، ثم يضع يده على أم رأسها ثم يذكر حاجته و لم أفعل لأني كبير قومي. فجلست فقلت إني رأيت الليلة و أنا نائم في الحجر كأن شجرة تنبت قد نال رأسها السماء و ضربت بأغصانها المشرق و المغرب، و ما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا. و رأيت العرب و العجم ساجدين لها و هي تزداد كل ساعة عظما و نورا و ارتفاعا ساعة تخفى و ساعة تزهر، و رأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، و رأيت قوما من قريش يريدون قطعها. فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها و لا أطيب منه ريحا فيكسر أظهرهم [٢] و يقلع أعينهم. فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا، فمنعني الشاب فقلت لمن النصيب؟
فقال النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها و سبقوك اليها. فانتبهت مذعورا فزعا فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق و المغرب و يدين له الناس.
[١] سماسم: الأولى عيدان السمسم. و الثانية خشب أسود كالأبنوس
[٢] الّذي في الدلائل: أضلعهم