البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٢ - فصل
سحيم عن نافع عن ابن جبير- دخل حديث بعضهم في بعض- قالوا: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يكون مع أمه آمنة بنت وهب، فلما توفيت قبضه اليه جده عبد المطلب و ضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، و كان يقربه منه و يدنيه و يدخل عليه إذا خلا و إذا نام. و كان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك دعوا ابني إنه يؤسس ملكا.
و قال قوم من بنى مدلج لعبد المطلب احتفظ به فانا لم نر قدما أشبه بالقدم الّذي في المقام منه. فقال عبد المطلب لأبى طالب: اسمع ما يقول هؤلاء! فكان أبو طالب يحتفظ به. و قال عبد المطلب لأم أيمن- و كانت تحضنه- يا بركة لا تغفلي عن ابني فانى وجدته مع غلمان قريب من السدرة، و إن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة. و كان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا يقول على بابني فيؤتى به اليه.
فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و حياطته ثم مات عبد المطلب و دفن بالحجون.
و قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثمان سنين هلك جده عبد المطلب بن هاشم. ثم ذكر جمعه بناته و أمره إياهن أن يرثينه. و هن، أروى و أميمة، و برة، و صفية، و عاتكة، و أم حكيم البيضاء و ذكر أشعارهن و ما قلن في رثاء أبيهن و هو يسمع قبل موته و هذا أبلغ النوح. و بسط القول في ذلك و قد قال ابن هشام و لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر.
قال ابن إسحاق: فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولى السقاية و زمزم بعده ابنه العباس، و هو من أحدث إخوته سنا فلم تزل اليه حتى قام الإسلام و أقرها في يده رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد جده عبد المطلب مع عمه أبى طالب لوصية عبد المطلب له به، و لأنه كان شقيق أبيه عبد اللَّه أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. قال فكان أبو طالب هو الّذي يلي أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كان اليه و معه. و قال الواقدي: أخبرنا معمر عن ابن نجيح عن مجاهد. و حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري عن عطاء عن ابن عباس. و حدثنا محمد بن صالح و عبد اللَّه بن جعفر و إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة- دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: لما توفى عبد المطلب قبض أبو طالب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكان يكون معه، و كان أبو طالب لا مال له و كان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده، و كان لا ينام إلا إلى جنبه، و يخرج فيخرج معه. و صب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط. و كان يخصه بالطعام و كان إذا أكل عيال أبى طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا، و إذا أكل معهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شبعوا. فكان إذا أراد أن يغديهم قال كما أنتم حتى يأتى ولدى. فيأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم و إن لم يكن منهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب إنك