البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - ذكر ارتجاس الإيوان
حتى انتهى إلى سطيح و قد أشفى على الضريح. فسلم عليه و كلمه فلم يرد اليه سطيح جوابا فأنشأ يقول:
أصم أم يسمع غطريف اليمن* * * أم فاد فازلم به شأو العنن
يا فأصل الخطة أعيت من و من* * * أتاك شيخ الحي من آل سنن
و أمه من آل ذئب بن حجن* * * أزرق نهم الناب صرار الاذن
أبيض فضفاض الرداء و البدن* * * رسول قيل العجم يسرى للوسن
يجوب بى الأرض علنداة شزن* * * لا يرهب الرعد و لا ريب الزمن
ترفعني وجنا و تهوى بى وجن* * * حتى أتى عاري الجآجي و القطن
تلفه في الريح بوغاء الدمن* * * كأنما حثحث من حضنى ثكن
[١] قال فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول: عبد المسيح، على جمل مشيح، أتى سطيح، و قد أوفى على الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الإيوان، و خمود النيران، و رؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة، و انتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، و ظهر صاحب الهراوة، و فاض وادي السماوة، و غاضت بحيرة ساوة، و خمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما. يملك منهم ملوك و ملكات، على عدد الشرفات و كلما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته و هو يقول:
شمر فإنك ماضى العزم شمير* * * لا يفزعنك تفريق و تغيير
إن يمس ملك بنى ساسان أفرطهم* * * فان ذا الدهر أطوار دهارير
فربما ربما أضحوا بمنزلة* * * يخاف صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصرح بهرام و إخوته* * * و الهرمزان و سابور و سابور
و الناس أولاد علات فمن علموا* * * أن قد أقل فمحقور و مهجور
و رب قوم لهم صحبان ذي اذن* * * بدت تلهيهم فيه المزامير
و هم بنو الام إما طن رأوا نشبا* * * فذاك بالغيب محفوظ و منصور
و الخير و الشر مقرونان في قرن* * * فالخير متبع و الشر محذور
قال فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بما قال له سطيح، فقال كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور و أمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، و ملك الباقون إلى خلافة عثمان رضى اللَّه عنه. و رواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن محمد بن إدريس عن على بن حرب الموصلي بنحوه.
[١] راجعنا كثيرا من مظان هذه القصة فوجدنا فيها اختلافا كبيرا بزيادة و نقص و قد اعتمدنا في تصحيحها على لسان العرب في مادة سطح ج ٢ ص ٣١٢.