البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٧ - فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده عليه الصلاة و السلام
و حين ولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و حين أنزلت الفاتحة. قال محمد بن إسحاق: و كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود؟ فقال القوم و اللَّه ما نعلمه فقال اللَّه أكبر، أما إذا أخطأكم فلا بأس انظروا و احفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الاخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس. لا يرضع ليلتين و ذلك أن عفريتا من الجن ادخل إصبعه في فمه فمنعه الرضاع فتصدع القوم من مجلسهم و هم يتعجبون من قوله و حديثه فلما صاروا الى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا قد و اللَّه ولد لعبد اللَّه بن عبد المطلب غلام سموه محمدا فالتقى القوم فقالوا هل سمعتم حديث اليهودي و هل بلغكم مولد هذا الغلام؟ فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي فأخبروه الخبر. قال فاذهبوا معى حتى انظر اليه. فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة فقالوا اخرجى إلينا ابنك فأخرجته و كشفوا له عن ظهره. فرأى تلك الشامة. فوقع اليهودي مغشيا عليه. فلما أفاق قالوا له مالك ويلك؟ قال قد ذهبت و اللَّه النبوة من بنى إسرائيل، فرحتم بها يا معشر قريش. و اللَّه ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق و المغرب.
و قال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن إبراهيم عن يحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال حدثني من شئت من رجال قومي ممن لا أتهم عن حسان بن ثابت. قال: إني لغلام يفعة ابن سبع سنين- أو ثمان سنين- أعقل ما رأيت و سمعت إذا بيهودي في يثرب يصرخ ذات غداة يا معشر يهود فاجتمعوا اليه- و أنا أسمع- فقالوا ويلك مالك؟ قال قد طلع نجم احمد الّذي يولد به في هذه الليلة. و روى الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من حديث أبى بكر بن عبد اللَّه العامري عن سليمان بن سحيم و ذريح بن عبد الرحمن كلاهما عن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه قال سمعت أبى مالك بن سنان يقول جئت بنى عبد الأشهل يوما لا تحدث فيهم و نحن يومئذ في هدنة من الحرب، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم. فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلي- كالمستهزئ به ما صفته؟ فقال رجل ليس بالقصير و لا بالطويل في عينيه حمرة يلبس الشملة و يركب الحمار. سيفه على عاتقه و هذا البلد مهاجره. قال فرجعت الى قومي بنى خدرة و أنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع فاسمع رجلا منا يقول و يوشع يقول هذا وحده؟! كل يهود يثرب يقولون هذا. قال أبى مالك بن سنان فخرجت حتى جئت بنى قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الّذي لم يطلع إلا لخروج نبي أو ظهوره و لم يبق أحد إلا احمد و هذا مهاجره.
قال أبو سعيد فلما قدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخبره أبى هذا الخبر فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لو أسلم الزبير لأسلم ذووه من رؤساء اليهود إنما هم له تبع»
و قال أبو نعيم: حدثنا عمر بن محمد حدثنا إبراهيم بن السندي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا