البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٢ - باب جهل العرب
حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه الى سفره. و إذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل ان يدخل على أهله. قال فلما بعث اللَّه محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالتوحيد قالت قريش (أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ).
قال ابن إسحاق: و قد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت و هي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة و حجاب، و تهدى لها كما تهدى للكعبة و تطوف بها كطوافها بها و تنحر عندها. و هي مع ذلك تعرف فضل الكعبة عليها لأنها بناء إبراهيم الخليل (عليه السلام) و مسجده. و كانت لقريش و بنى كنانة العزى بنخلة و كانت سدنتها و حجابها بنى شيبان من سليم حلفاء بنى هاشم و قد خربها خالد بن الوليد زمن الفتح كما سيأتي. قال: و كانت اللات لثقيف بالطائف و كانت سدنتها و حجابها بنى معتب من ثقيف و خربها أبو سفيان و المغيرة بن شعبة بعد مجيء أهل الطائف كما سيأتي. قال: و كانت مناة للأوس و الخزرج و من دان بدينهم من أهل المدينة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد و قد خربها أبو سفيان أيضا و قيل على بن أبى طالب كما سيأتي. قال: و كان ذو الخلصة لدوس و خثعم و بجيلة و من كان ببلادهم من العرب بتبالة و كان يقال له الكعبة اليمانية، و لبيت مكة الكعبة الشامية و قد خربه جرير بن عبد اللَّه البجلي كما سيأتي قال. و كان قلس لطى و من يليها بجبلي طى بين اجا و سلمى، و هما جبلان مشهوران كما تقدم. قال: و كان رآم بيتا لحمير و أهل اليمن كما تقدم ذكره في قصة تبع أحد ملوك حمير و قصة الحبرين حين خرباه و قتلا منه كلبا أسود. قال: و كانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم و لها يقول المستوغر و اسمه كعب بن ربيعة بن كعب:
و لقد شددت على رضاء شدة* * * فتركتها قفرا بقاع اسحما
و أعان عبد اللَّه في مكروهها* * * و بمثل عبد اللَّه أغشى المحرما
و يقال إن المستوغر هذا عاش ثلاثمائة سنة و ثلاثين سنة و كان أطول مضر كلها عمرا و هو الّذي يقول:
و لقد سئمت من الحياة و طولها* * * و عمرت من عدد السنين مئينا
مائة حدتها بعدها مائتان لي* * * و ازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي الا كما قد فاتنا* * * يوم يمر و ليلة تحدونا
قال ابن هشام: و يروى هذه الأبيات لزهير بن جناب بن هبل. قال السهيليّ: و من المعمرين الذين جازوا المائتين و الثلاثمائة زهير هذا و عبيد بن شربة و دغفل بن حنظلة النسابة و الربيع بن ضبع الفزاري و ذو الأصبع العدوانيّ و نصر بن دهمان بن أشجع بن ريث بن غطفان، و كان قد اسود شعره بعد ابيضاضه و تقوم ظهره بعد اعوجاجه. و قال: و كان ذو الكعبات لبكر و تغلب بن وائل و أياد بسنداد و له يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة: