البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - باب ذكر بنى إسماعيل و هم عرب الحجاز و ما كان من أمور الجاهلية الى زمان البعثة
بلى نحن كنا أهلها فازالنا* * * صروف الليالي و الجدود العواثر
و كنا ولاة البيت من بعد نابت* * * نطوف بذاك البيت و الخير ظاهر
و نحن ولينا البيت من بعد نابت* * * بعز فما يحظى لدينا المكاثر
ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا* * * فليس لحي غيرنا ثم فاخر
أ لم تنكحوا من خير شخص علمته* * * فأبناؤه منا و نحن الأصاهر
فان تنثني الدنيا علينا بحالها* * * فان لها حالا و فيها التشاجر
فأخرجنا منها المليك بقدرة* * * كذلك يا للناس تجرى المقادر
أقول إذا نام الخلي و لم أنم* * * إذا العرش لا يبعد سهيل و عامر
و بدلت منها أو جهالا أحبها* * * قبائل منها حمير و يحابر
و صرنا أحاديثا و كنا بغبطة* * * بذلك عضتنا السنون الغوابر
فسحت دموع العين تبكى لبلدة* * * بها حرم أمن و فيها المشاعر
و تبكى لبيت ليس يؤذى حمامه* * * يظل به أمنا و فيه العصافر
و فيه وحوش لا ترام انيسة* * * إذا خرجت منه فليست تغادر
قال ابن إسحاق: و قال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضا يذكر بنى بكر و غبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة:
يا أيها الناس سيروا إن قصاركم* * * ان تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطي و أرخوا من أزمتها* * * قبل الممات و قضوا ما تقضونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا* * * دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا
قال ابن هشام: هذا ما صح له منها و حدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب و أنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن و لم يسم قائلها و ذكر السهيليّ لهذه الأبيات إخوة و حكى عندها حكاية معجبة و إنشادات معربة. قال: و زاد أبو الوليد الأزرقي في كتابه فضائل مكة على هذه الأبيات المذكورة المنسوبة الى عمرو بن الحارث بن مضاض:
قد مال دهر علينا ثم أهلكنا* * * بالبغي فينا و بز الناس ناسونا
و استخبروا في صنيع الناس قبلكم* * * كما استبان طريق عنده الهونا
كنا زمانا ملوك الناس قبلكم* * * بمسكن في حرام اللَّه مسكونا