البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٥ - باب ذكر بنى إسماعيل و هم عرب الحجاز و ما كان من أمور الجاهلية الى زمان البعثة
ابن إسحاق و غيره عن كتب أهل الكتاب و له ابنة واحدة اسمها نسمة و هي التي زوجها من ابن أخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم فولد له منها الروم و فارس و الاشبان أيضا في أحد القولين.
ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم الى ولديه نابت و قيذر، و كان الرئيس بعده و القائم بالأمور الحاكم في مكة و الناظر في أمر البيت و زمزم نابت بن إسماعيل و هو ابن أخت الجرهميين، ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بنى أختهم فحكموا بمكة و ما والاها عوضا عن بنى إسماعيل مدة طويلة فكان أول من صار اليه أمر البيت بعد نابت مضاص بن عمرو بن سعد بن الرقيب ابن عيبر [١] بن نبت بن جرهم، و جرهم بن قحطان و يقال جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن ارفخشذ ابن سام بن نوح الجرهميّ. و كان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان و كان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل مكة و كل منهما يعشر من مر به مجتازا الى مكة. ثم وقع بين جرهم و قطوراء فاقتتلوا فقتل السميدع و استوثق الأمر لمضاض و هو الحاكم بمكة و البيت لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم و شرفهم و انتثارهم بمكة و بغيرها و ذلك لخؤولتهم له و لعظمة البيت الحرام. ثم صار الملك بعده الى ابنه الحارث ثم الى عمرو بن الحارث ثم بغت جرهم بمكة و أكثرت فيها الفساد و ألحدوا بالمسجد الحرام حتى ذكر أن رجلا منهم يقال له إساف بن بغى و امرأة يقال لها نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة فكان منه اليها الفاحشة فمسخهما اللَّه حجرين فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون اللَّه في زمن خزاعة كما سيأتي بيانه في موضعه. فكانا صنمين منصوبين يقال لهما إساف و نائلة. فلما أكثرت جرهم البغي بالبلد الحرام تمالأت عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم و كانوا من ذرية عمرو بن عامر الّذي خرج من اليمن لأجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم.
و قيل ان خزاعة من بنى إسماعيل فاللَّه أعلم.
و المقصود أنهم اجتمعوا لحربهم و آذنوهم بالحرب و اقتتلوا و اعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين فغلبت خزاعة و هم بنو بكر بن عبد مناة و غبشان و اجلوهم عن البيت فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهميّ و هو سيدهم الى غزالى الكعبة و هما من ذهب و حجر الركن و هو الحجر الأسود و الى سيوف محلاة و أشياء اخر فدفنها في زمزم و علم زمزم و ارتحل بقومه فرجعوا الى اليمن. و في ذلك يقول عمرو بن الحارث ابن مضاض:
و قائلة و الدمع سكب مبادر* * * و قد شرقت بالدمع منها المحاجر
كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر
فقلت لها و القلب منى كأنما* * * يلجلجه بين الجناحين طائر
[١] و في السهيليّ: ابن هىّ في المكانين.