البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٠ - ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه اللَّه عاجلا غير آجل كما قال اللَّه تعالى
ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة فأهلكه اللَّه عاجلا غير آجل كما قال اللَّه تعالى
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ* أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قيل أول من ذلل الفيلة أفريدون بن أثفيان الّذي قتل الضحاك قاله الطبري و هو أول من اتخذ للخيل السرج. و أما أول من سخر الخيل و ركبها فطهمورث و هو الملك الثالث من ملوك الدنيا و يقال إن أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) و يحتمل أنه أول من ركبها من العرب و اللَّه تعالى أعلم و يقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر. و قد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير الى حومة الوغى فنفرت الفيلة قال ابن إسحاق ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض و كتب الى النجاشي إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك و لست بمنته حتى أصرف اليها حج العرب فذكر السهيليّ أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة و سخرهم فيها أنواعا من السخر. و كان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة. و جعل ينقل اليها من قصر بلقيس رخاما و أحجارا و أمتعة عظيمة و ركب فيها صلبانا من ذهب و فضة. و جعل فيها منابر من عاج و ابنوس و جعل ارتفاعها عظيما جدا و اتساعها باهرا فلما هلك بعد ذلك أبرهة و تفرقت الحبشة كان من يتعرض لاخذ شيء من بنائها و أمتعتها اصابته الجن بسوء. و ذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين- كعيب و امرأته- و كان طول كل منهما ستون ذراعا. فتركها أهل اليمن على حالها. فلم تزل كذلك الى زمن السفاح أول خلفاء بنى العباس فبعث إليها جماعة من أهل العزم و الحزم و العلم فنقضوها حجرا حجرا و درست آثارها إلى يومنا هذا قال ابن إسحاق فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة الى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة الذين ينسئون شهر الحرام الى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ الآية) قال ابن إسحاق فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيه أي أحدث حيث لا يراه أحد ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر أبرهة بذلك. فقال من صنع هذا. فقيل له صنعه رجل من أهل هذا البيت الّذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك أنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا فغضب فجاء فقعد فيها أي أنه ليس لذلك بأهل. فغضب أبرهة عند ذلك و حلف ليسيرن الى البيت حتى يهدمه. ثم أمر الحبشة