البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٣ - خبر ذي القرنين
بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً. فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً. قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا. ذكر اللَّه تعالى ذا القرنين هذا و أثنى عليه بالعدل و انه بلغ المشارق و المغارب و ملك الأقاليم و قهر أهلها و سار فيهم بالمعدلة التامة و السلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط. و الصحيح أنه كان ملكا من الملوك العادلين و قيل كان نبيا. و قيل رسولا. و أغرب من قال ملكا من الملائكة. و قد حكى هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فإنه سمع رجلا يقول لآخر يا ذا القرنين فقال مه ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة ذكره السهيليّ. و قد روى وكيع عن إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن عبد اللَّه ابن عمرو قال كان ذو القرنين نبيا. و
روى الحافظ بن عساكر من حديث أبى محمد بن أبى نصر عن أبى إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن أبى ذؤيب حدثنا محمد بن حماد أنبأنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبى ذؤيب عن المقبري عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (لا أدرى أتبع كان لعينا أم لا و لا أدرى الحدود كفارات لأهلها أم لا و لا أدرى ذو القرنين كان نبيا أم لا).
و هذا غريب من هذا الوجه. و قال إسحاق بن بشر عن عثمان بن الساج عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال كان ذو القرنين ملكا صالحا رضى اللَّه عمله و أثنى عليه في كتابه و كان منصورا و كان الخضر وزيره. و ذكر أن الخضر (عليه السلام) كان على مقدمة جيشه و كان عنده بمنزلة المشاور الّذي هو من الملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم. و قد ذكر الأزرقي و غيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل و طاف معه بالكعبة المكرمة هو و إسماعيل (عليه السلام) [١] و روى عن عبيد بن عمير و ابنه عبد اللَّه و غيرهما أن ذا القرنين حج ماشيا و أن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه و دعا له و رضاه و أن اللَّه سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد و اللَّه أعلم* و اختلفوا في السبب الّذي سمى به ذا القرنين فقيل لانه كان له في رأسه شبه القرنين. قال وهب بن منبه كان له قرنان من نحاس في رأسه و هذا ضعيف و قال بعض أهل الكتاب لانه ملك فارس و الروم و قيل لأنه بلغ قرني الشمس غربا و شرقا. و ملك ما بينهما من الأرض و هذا أشبه من غيره و هو قول الزهري و قال [٢] الحسن البصري كانت له غديرتان من شعر يطافيهما [٣] فسمى ذا القرنين و قال إسحاق ابن بشر عن عبد اللَّه بن زياد بن سمعان عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال دعا ملكا جبارا إلى اللَّه فضربه على قرنه فكسره و رضه. ثم دعاه فدق قرنه الثاني فكسره فسمى ذا القرنين و روى الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى الطفيل عن على بن أبى طالب أنه سئل عن ذي القرنين فقال
[١] من هنا الى قوله قال وهب بن منبه إلخ لم يوجد بالنسختين المصريتين
[٢] من هنا الى قوله و روى الثوري لم يوجد بهما أيضا
[٣] كذا بالأصول