نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٥٧ - رجع إلى أخبار البنيان ـ مدينة الزهراء
وفيه أن أبا عامر بن شهيد بات ليلة بإحدى كنائس قرطبة وقد فرشت بأضغاث [١] آس ، وعرشت بسرور وائتناس ، وقرع النواقيس يبهج [٢] سمعه ، وبرق الحميا يسرج لمعه [٣] ، والقس قد برز في عبدة المسيح ، متوشحا بالزنانير أبدع توشيح ، قد هجروا الأفراح ، واطّرحوا النعم كل اطّراح ، لا يعمدون إلى ماء بآنية إلّا اغترافا من الغدران بالرّاح ، وأقام بينهم يعملها حميا ، كأنما يرشف من كأسها شفة لميا وهي تنفح له بأطيب عرف [٤] ، كلما رشفها أعذب رشف ، ثم ارتجل ، بعد ما ارتحل ، فقال : [الكامل]
| ولربّ حان قد شممت بديره | خمر الصّبا مزجت بصرف عصيره | |
| في فتية جعلوا السّرور شعارهم | متصاغرين تخشّعا لكبيره | |
| والقسّ مما شاء طول مقامنا | يدعو بعود حولنا بزبوره | |
| يهدي لنا بالرّاح كلّ مصفر | كالخشف خفّره التماح خفيره[٥] | |
| يتناول الظّرفاء فيه وشربهم | لسلافه ، والأكل من خنزيره |
رجع إلى أنباء [٦] الزهراء ـ قال بعض من أرخ الأندلس : كان يتصرف في عمارة الزهراء كل يوم من الخدام والفعلة عشرة آلاف رجل ، ومن الدواب ألف وخمسمائة دابة ، وكان من الرجال [٧] من له درهم ونصف ومن له الدرهمان والثلاثة ، وكان يصرف فيها كل يوم من الصخر المنحوت المعدل ستة آلاف صخرة سوى الآجر والصخر غير المعدل ، انتهى ، وسيأتي في الزهراء مزيد كلام.
وقال ابن حيان : ابتدأ الناصر بناء الزهراء أول يوم من محرم سنة ٣٢٥ ، وجعل طولها من شرق إلى غرب ألفين وسبعمائة ذراع ، وتكسيرها تسعمائة ألف ذراع وتسعون ألف ذراع ، كذا نقله بعضهم ، وللنظر فيه مجال ، قال : وكان يثيب [٨] على كل رخامة كبيرة أو صغيرة عشرة دنانير سوى ما كان يلزم على قطعها [٩] ونقلها ومؤنة [١٠] حملها ، وجلب إليها الرخام الأبيض من المرية ، والمجزّع من رية ، والوردي والأخضر من إفريقية من إسفاقس وقرطاجنّة ،
[١] أضغاث : جمع ضغث ، وهو قبضة من عشب مختلط رطبه بيابس.
[٢] في ب : يهيج.
[٣] في ب ، ج : يسرع لمعه.
[٤] العرف ، بفتح العين وسكون الراء : الرائحة العطرة.
[٥] الخشف : ولد الغزالة أول ما يولد.
[٦] في ب ، ه : رجع إلى بناء الزهراء.
[٧] في ه : الرحالة.
[٨] في ه : يثبت.
[٩] في ب : كان يلزمه من النفقة على قطعها ..
[١٠] في ب : ومؤونة حملها ..