نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٤٢ - رجع إلى أخبار أبي الحسن علي بن
فنيت الأموال بالفتنة ، فلا يجد القائم بالأمر ما يصلح به الدولة إذا تفرغ للتدبير والسياسة ، ففرح السلطان ، وبادر إلى تلك الدار ، فرأى ما ملأ عينه ، وسر قلبه ، وخرج الرئيس ابن الحسين والخيل تجنب أمامه ، وبدر الأموال بين يديه ، وأعاده إلى أحسن أحواله ، وجعله وزيرا لديه ، كما كان أبوه مفوضا أموره إليه ، وقال السلطان : إن من أوجب شكر الله علي أن أفتتح المال بأن أؤدي منه للرعية الذين نهبت دورهم واحترقت في الفتنة التي كانت بيني وبين أقاربي ما خسروه ، وأمر بالنداء فيهم ، وأحضرهم وكل من حلف على شيء قبضه وانصرف.
وكان السلطان المستنصر المذكور في بعض متصيداته [١] فكتب لأبي عبد الله الرئيس المذكور يأمره بإحضار الأجناد لأخذ أرزاقهم بقوله : [بحر الوافر]
| ليحضر كلّ ليث ذي منال | زكا فرعا لإسداء النّوال | |
| غدا يوم الخميس فما شغلنا | بأسد الوحش عن أسد الرجال |
وحكي أن السلطان المذكور عرض مرة أجناده ، وقيل : بل سلم عليه الموحدون يوم عيد بتونس ، وفيهم شاب [مليح] وسيم اسم جده النعمان ، فسأله السلطان عن اسمه ، وأعجبه حسنه ، فخجل واحمر وجهه ، وازداد حسنا ، فقال السلطان هذا المصراع : [بحر الكامل]
كلّمته فكلمت [٢] صفحة خدّه
وسأل من الحاضرين الإجازة ، فلم يأتوا بشيء ، فقال السلطان مجيزا شطره :
فتفتحت فيها شقائق [٣] جده
وهذا من البديع [٤] مع ما فيه من التورية والتجنيس.
ومما نسبه له أبو حيان بسنده إليه : [بحر الكامل]
| ما لي عليك سوى الدّموع معين | إن كنت تغدر في الهوى وتخون | |
| من منجدي [٥] غير الدموع وإنها | لمغيثة مهما استغاث حزين | |
| الله يعلم أن ما حملتني | صعب ولكن في رضاك يهون |
[١] المتصيدات : رحلات الصيد.
[٢] كلمت : جرحت.
[٣] الشقائق : زهر أحمر يسمى أيضا : شقائق النعمان.
[٤] في ب ، ه : «وهذا من البدائع».
[٥] منجدي : معيني ومساعدي.