نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٥٦ - أبو الخطاب بن دحية الحافظ
أضعاف محفوظه من مستعملها ، وكان قصده ـ والله تعالى أعلم ـ أن ينفرد بنوع يشتهر به دون غيره ، كما فعل كثير من الأدباء حيث تركوا طريق المعرب وانفردوا بالطريق الآخر ، ولو سلكوا طريق المعرب لكانوا فيه كآحاد الناس ، وكذا الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له رسائل ومخاطبات كلها مغلقات مقفلات ، وكان ـ رحمه الله تعالى! ـ إذا كتب اسمه فيما يجيزه أو غير ذلك يكتب «ابن دحية ودحية معا المتشبّه به جبريل وجبرائيل» ، ويذكر ما ينيف على ثلاث عشرة لغة مذكورة في جبريل ، ويقول عند فاطر السماوات والأرض ، وهذا فرع انفرد به عمن عداه من أهل العلم.
قال صاحب عنوان الدراية : رأيت له تصنيفا في رجال الحديث لا بأس به ، وارتحل إلى المشرق في دولة بني أيوب ، فرفعوا شأنه ، وقربوا له مكانه ، وجمعوا له علماء الحديث ، وحضروا له مجلسا أقروا له بالتقدم ، وعرفوا أنه من أولي الضبط والإتقان والتفهم ، وذكروا أحاديث بأسانيد حولوا متونها ، فأعاد المتون المحولة ، وعرّف عن تغييرها ، ثم ذكر الأحاديث على ما هي عليه من متونها الأصلية ، ومثل هذه الحكاية اتفق لأبي عمر بن عات في كتاب مسلم بمراكش ببيت الطلبة منها.
ومن شعر أبي الخطاب ما كتب به إلى الكامل بن العادل بن أيوب : [الكامل]
| ما لي أسائل برق بارق عنكم | من بعد ما بعدت دياري منكم | |
| فمحلّكم قلبي وأنتم بالحشا | لا بالعقيق ولا برامة أنتم | |
| وأنا المقيم على الوفاء بعهدكم | يا مالكين ، وفيتم أو خنتم |
وهي طويلة ، ومنها :
| رفعت له الأملاك منه سجيّة | ملك السّماك الرّمح وهو محرّم |
ومنها أيضا :
| لذوي النّهى والفهم سرّ حكومة | قد حار فيها كاهن ومنجّم | |
| فاقصد مرادك حيث سرت مظفّرا | والله يكلأ والكواكب نوّم | |
| وليهنك الشّهر السّعيد تصومه | وتفوز فيه بالثّواب وتغنم | |
| فلأنت في الدّنيا كليلة قدره | قدرا ، فقدرك في الملوك معظّم |
فأجابه السلطان مكافأة بنثر ونظم ، فمن النظم : [الطويل]
| وهيّجن شوقي للأجارع باللّوى | وأين اللّوى منّي وأين الأجارع |