نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٤٦ - أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي
| ودع عنك كلّ رسول سوى | رسول يقال له الدّرهم |
وكان كثيرا ما ينشد [١] : [الرمل]
| إنّ لله عبادا فطنا | طلّقوا الدّنيا وخافوا الفتنا | |
| فكّروا فيها فلمّا علموا | أنّها ليست لحيّ وطنا | |
| جعلوها لجّة واتّخذوا | صالح الأعمال فيها سفنا |
وقال رحمه الله تعالى : كنت ليلة نائما بالبيت المقدس إذ سمعت في الليل صوتا حزينا ينشد : [الطويل]
| أخوف ونوم ، إنّ ذا لعجيب | ثكلتك من قلب فأنت كذوب | |
| أما وجلال الله لو كنت صادقا | لما كان للإغماض فيك نصيب |
قال : فأيقظ النوّام ، وأبكى العيون.
وكان رحمه الله تعالى زاهدا ، عابدا [٢] ، متورعا ، متقللا من الدنيا ، قوّالا للحق.
وكان يقول : إذا عرض لك أمران [٣] أمر دنيا وأخرى ، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى ، وله طريقة في الخلاف.
ودخل مرة على الأفضل بن أمير الجيوش فوعظه ، وقال له : إن الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك ، وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك ، فاتق الله فيما خوّلك من هذه الأمة ، فإن الله عز وجل سائلك عن النقير والقطمير والفتيل ، واعلم أن الله عز وجل آتى سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحوش [٤] والبهائم ، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، ورفع عنه حساب ذلك أجمع ، فقال عز من قائل : (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) (٣٩) [ص : ٣٩] فما عدّ ذلك نعمة كما عددتموها ، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها ، بل خاف أن يكون استدراجا من الله عز وجل ، فقال : (هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) [النمل : ٤٠] فافتح الباب ، وسهل الحجاب ، وانصر المظلوم.
[١] جاء في الصلة أن هذه الأبيات له ، وقد وردت في ديوان الشافعي.
[٢] عابدا : غير موجودة في ب.
[٣] أمران : غير موجودة في ب.
[٤] في ب : والوحش.