نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٠٦ - ترجمة القاضي أبي بكر بن العربي المعافري
به مجالسه ، واطّردت له مقايسه ، فجدّ في طلبه ، واستجدّ به أبوه متمزق أربه ، ثم أدركه حمامه ، ووارته هناك رجامه [١] ، وبقي أبو بكر متفردا ، وللطلب متحردا [٢] ، حتى أصبح في العلم وحيدا ، ولم تجد عنه رياسته محيدا ، فكر إلى الأندلس فحلّها والنفوس إليه متطلعة ، ولأنبائه متسمعة ، فناهيك من حظوة لقي ، ومن عزة سقي ، ومن رفعة سما إليها ورقي ، وحسبك من مفاخر قلّدها ، ومحاسن أنس أثبتها فيها وخلّدها ، وقد أثبتّ من بديع نظمه ما يهز أعطافا ، وترده الأفهام نطافا ، [٣] فمن ذلك قوله يتشوق إلى بغداد ، ويخاطب فيها أهل الوداد : [الطويل]
| أمنك سرى واللّيل يخدع بالفجر | خيال حبيب قد حوى قصب الفخر؟ | |
| جلا ظلم الظّلماء مشرق نوره | ولم يخبط الظّلماء بالأنجم الزّهر | |
| ولم يرض بالأرض البسيطة مسحبا | فسار على الجوزا إلى فلك يجري | |
| وحثّ مطايا قد مطاها بعزّة | فأوطأها قسرا على قنّة النّسر | |
| فصارت ثقالا بالجلالة فوقها | وسارت عجالا تتّقي ألم الزّجر | |
| وجرّت على ذيل المجرّة ذيلها | فمن ثمّ يبدو ما هناك لمن يسري | |
| ومرّت على الجوزاء توضع فوقها | فآثار ما مرّت به كلف البدر[٤] | |
| وساقت أريج الخلد من جنّة العلا | فدع عنك رملا بالأنيعم يستذري | |
| فما حذرت قيسا ولا خيل عامر | ولا أضمرت خوفا لقاء بني ضمر | |
| سقى الله مصرا والعراق وأهلها | وبغداد والشّامين منهمل القطر |
ومن تآليف الحافظ أبي بكر بن العربي المذكور كتاب «القبس ، في شرح موطأ مالك بن أنس» وكتاب «ترتيب المسالك ، في شرح موطأ مالك» وكتاب «أنوار الفجر» وكتاب «أحكام القرآن» وكتاب «عارضة الأحوذيّ [٥] ، في شرح الترمذي» والأحوذي ـ بفتح الهمزة ، وسكون الحاء المهملة ، وفتح الواو ، وكسر الذال المعجمة ، وآخره ياء مشددة. وكتاب «مراقي الزّلف»
[١] الرجام : جمع رجم ، وهو الحجارة التي توضع على القبر ، أو القبر نفسه.
[٢] تحرّد : تنحّى.
[٣] النطاف : جمع نطفة : الماء الصافي.
[٤] في ب : فآثر.
[٥] عارضة الأحوذي : العارضة : قوة الحجة والبيان ، والأحوذي : الرجل المشمر النشيط ، السريع لبلوغ حاجته.