نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٠٣ - ترجمة القاضي أبي بكر بن العربي المعافري
| شابت نواصي النّار بعد سوادها | وتستّرت عنّا بثوب رماد |
ثم قال لي أجز ، فقلت : [الكامل]
| شابت كما شبنا وزال شبابنا | فكأنّما كنّا على ميعاد |
وقد اختلف حذاق الأدباء في قوله : «ولكنه رمح وثان وثالث» [١] ما هو الثاني والثالث؟
فقيل : القدّ واللحظ ، وقيل غير ذلك.
ولما ذكر رحمه الله تعالى في كتابه «قانون التأويل» ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال : وقد سبق في علم الله تعالى أن يعظم علينا البحر بزوله [٢] ، ويغرقنا في هوله [٣] ، فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر ، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم ، ونحن من السّغب [٤] ، على عطب ، ومن العري ، في أقبح زي ، قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها [٥] ، ودسّمت الأدهان وبرها وجلدتها ، فاحترمناها أزرا ، واشتملناها لفافا ، تمجّنا الأبصار [٦] ، وتخذلنا الأنصار ، فعطف أميرهم علينا ، فأوينا إليه فآوانا ، وأطعمنا الله تعالى على يديه وسقانا ، وأكرم مثوانا ، وكسانا بأمر حقير ضعيف ، وفنّ من العلم طريف ، وشرحه أنا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدبّر أعواد الشاه [٧] ، فعل السامد اللاه ، فدنوت منه في تلك الأطمار ، وسمح لي بياذقته إذ كنت من الصغر في حدّ يسمح فيه للأغمار ، ووقفت بإزائهم ، أنظر إلى تصرفهم من ورائهم ، إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس البطالة ، مع غلبة الصّبوة والجهالة ، فقلت للبياذقة : الأمير أعلم من صاحبه ، فلمحوني شزرا ، وعظمت في أعينهم بعد أن كنت نزرا ، وتقدّم إلى الأمير من نقل إليه الكلام ، فاستدناني ، فدنوت منه ، وسألني : هل لي بما هم فيه بصر؟ فقلت : لي فيه بعض نظر ، سيبدو لك ويظهر ، حرّك تلك القطعة ، ففعل كما أشرت [٨] وعارضه صاحبه ، فأمرته أن يحرّك أخرى ،
[١] يريد بذلك البيت الذي قاله في أحد أمراء الملثمين : انظر ص ٢٣٥ من هذا الجزء.
[٢] الزول : العجب ، البلاء.
[٣] الهول : الأمر الشديد المخيف.
[٤] السّغب ، بفتح السين والغين : الجوع.
[٥] المنيئة : الجلد أول عهده بالدباع ، وفي ه : هيئتها.
[٦] اتمجنا الأبصار : تعافنا.
[٧] يدبر أعواد الشاه : أراد : يلعب الشطرنج. وفي ب : يدير.
[٨] كما أشرت : غير موجودة في ب.