نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٩٠ - ترجمة القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى
| طابت بطيب لثاتك الأقداح | وزهت بحمرة خدّك التّفّاح | |
| وإذا الرّبيع تنسّمت أرواحه | طابت بطيب نسيمك الأرواح[١] | |
| وإذا الحنادس ألبست ظلماءها | فضياء وجهك في الدّجى مصباح |
[٢] فكتبها القاضي في ظهر يده ، وخرج من عنده ، قال يونس بن عبد الله : فلقد رأيته يكبر للصلاة على الجنازة والأبيات مكتوبة على ظهر كفه.
وكان رحمه الله تعالى في غاية اللطف ، حكى بعض أصحابه قال : ركبنا معه في موكب حافل من وجوه الناس ، إذ عرض لنا فتّى متأدب قد خرج من بعض الأزقّة سكران يتمايل ، فلما رأى القاضي هابه ، وأراد الانصراف ، فخانته رجلاه ، فاستند إلى الحائط ، وأطرق ، فلما قرب القاضي رفع رأسه وأنشأ [٣] يقول : [الطويل]
| ألا أيّها القاضي الّذي عمّ عدله | فأضحى به بين الأنام فريدا | |
| قرأت كتاب الله تسعين مرّة | فلم أر فيه للشّراب حدودا | |
| فإن شئت جلدا لي فدونك منكبا | صبورا على ريب الزّمان جليدا | |
| وإن شئت أن تعفو تكن لك منّة | تروح بها في العالمين حميدا | |
| وإن أنت تختار الحديد فإنّ لي | لسانا على هجو الزّمان حديدا |
فلما سمع شعره وميز أدبه أعرض عنه وترك الإنكار عليه ، ومضى لشأنه ، انتهى ملخصا من المطمح.
ورأيت بخطي في بعض مسوّداتي ما صورته : محمد بن عبد الله بن يحيى بن يحيى الليثي قاضي الجماعة بقرطبة ، سمع عم أبيه عبيد الله بن يحيى ومحمد بن عمر بن لبابة وأحمد بن خالد ، ورحل من قرطبة سنة ٣١٣ [٤] ، ودخل مصر ، وحج ، وسمع بمكة من ابن المنذر والعقيلي وابن الأعرابي [٥] ، وكان حافظا ، معتنيا بالآثار ، جامعا للسّنن ، متصرفا في علم الإعراب ، ومعاني الشعر ، شاعرا مطبوعا ، وشاوره القاضي أحمد بن بقي ، واستقضاه الناصر
[١] في ه : تنسمت أدواحه ... الأدواح.
[٢] الحنادس : جمع حندس ، وهو الليل الشديد الظلمة.
[٣] في تاريخ قضاة الأندلس : ثم أنشأ يقول : (تاريخ قضاة الأندلس ص ٦١).
[٤] في ب : سنة ٣١٢.
[٥] في ب : وابن الأعرابي وغيرهم.