نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٨٩ - ترجمة القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى
قال في المطمح : من بني يحيى بن يحيى الليثي ، وهذه ثنية علم وعقل ، وصحة ضبط ونقل ، كان علم الأندلس ، وعالمها النّدس [١] ، ولي القضاء بقرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق ، وجمع فيها من الروايات والسماع كل مفترق ، وجال في آفاق ذلك الأفق ، لا يستقر في بلد ، ولا يستوطن في جلد [٢] ، ثم كر إلى الأندلس فسمت رتبته ، وتحلّت بالأماني لبّته ، وتصرف في ولايات أحمد فيها منابه ، واتصلت بسببها بالخليفة أسبابه ، وولاه القضاء بقرطبة فتولاه بسياسة محمودة ، ورياسة في الدين مبرمة القوى مجهودة ، والتزم فيها الصّرامة في تنفيذ الحقوق ، والحزامة في إقامة الحدود ، والكشف عن البيان في السر ، والصّدع بالحق في الجهر ، لم يستمله مخادع ، ولم يكده مخاتل ، ولم يهب ذا حرمة ، ولا داهن ذا مرتبة ، ولا أغضى لأحد من أرباب [٣] السلطان وأهله ، حتى تحاموا حدة [٤] جانبه ، فلم يجسر أحد منهم عليه ، وكان له نصيب وافر من الأدب ، وحظ من البلاغة إذا نظم وإذا كتب.
ومن ملح شعره ما قاله عند أوبته عن غربته : [الطويل]
| كأن لم يكن بين ولم تك فرقة | إذا كان من بعد الفراق تلاق | |
| كأن لم تؤرّق بالعراقين مقلتي | ولم تمر كفّ الشّوق ماء مآقي | |
| ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم | بذات اللّوى من رامة وبراق | |
| ولم أصطبح بالبيد من قهوة النّدى | وكأس سقاها في الأزاهر ساق |
وله أيضا : [البسيط]
| ما ذا أكابد من ورق مغرّدة | على قضيب بذات الجزع ميّاس | |
| ردّدن شجوا شجى قلب الخليّ فهل | في عبرة ذرفت في الحبّ من باس | |
| ذكّرنه الزمن الماضي بقرطبة | بين الأحبّة في أمن وإيناس | |
| هم الصّبابة لو لا همة شرفت | فصيّرت قلبه كالجندل القاسي |
وله أخبار تدل على رقة العراق والتغذي بماء تلك الآفاق :
فمنها أنه خرج إلى حضور جنازة بمقابر قريش ، ورجل من بني جابر كان يواخيه له منزل هناك ، فعزم عليه في الميل إليه ، وعلى أخيه ، فنزل [٥] عليه ، فأحضر لهما طعاما ، وأمر جارية له بالغناء ، فغنت : [الكامل]
[١] الندس : الشديد الفطنة.
[٢] الجلد ، بفتحتين : الأرض الصلبة.
[٣] في ب : أسباب السلطان.
[٤] في ب : حتى تحاموا جانبه.
[٥] في ب : منزلا عليه.