نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٥ - متنزهات قرطبة وقصورها
ومنية الزبير منسوبة إلى الزبير بن عمر الملثّم [١] ملك قرطبة.
قال ابن سعيد : أخبرني والدي عن أبيه قال : خرج معي إلى هذه المنية في زمان فتح النّوّار أبو بكر بن بقيّ [٢] الشاعر المشهور ، فجلسنا تحت سطر من أشجار اللّوز قد نوّرت ، فقال ابن بقيّ : [البسيط]
| سطر من اللّوز في البستان قابلني | ما زاد شيء على شيء ولا نقصا | |
| كأنّما كلّ غصن كمّ جارية | إذا النّسيم ثنى أعطافه رقصا |
ثم قال شعرا منه : [الطويل]
| عجبت لمن أبقى على خمر دنّه | غداة رأى لوز الحديقة نوّرا |
[٣] ولا أذكر بقية الأبيات ، قال : جدّي ثم اجتمعت به بعد ذلك بغرناطة ، فذكرته باجتماعه في منية الزبير ، فتنهّد وفكر ساعة وقال : اكتبوا عني ، فكتبنا : [الطويل]
| سقى الله بستان الزّبير ، ودام في | ذراه مسيل النّهر ما غنّت الورق [٤] | |
| فكائن لنا من نعمة في جنابه | كبزّته الخضراء طالعها طلق | |
| هو الموضع الزّاهي على كلّ موضع | أما ظلّه ضاف أما ماؤه دفق | |
| أهيم به في حالة القرب والنّوى | وحقّ له منّي التّذكّر والعشق | |
| ومن ذلك النّهر الخفوق فؤاده | بقلبي ما غيّبت عن وجهه خفق |
قال : فقلت له : جمع الله بينك وبينه على الحالة التي تشتهي ، قال : ذلك لك ، قلت : وكيف ذلك؟ قال : تدفع لي هذا السيف الذي تقلدت به أتزوّد به إليه ، وأنفق الباقي فيه على ما تعلم ، قال : فقلت له : هذا السيف شرّفني به السلطان أبو زكرياء بن غانية ، ما لعطائه سبيل ، ولكن أعطيك قيمته ، فخرج وأتى بشخص يعرف قيمة السيوف ، فقدّره وجعل يقول : إنه سيف السلطان ابن غانية ، ليعظم قدره في عينه فيزيد في قيمته ، ثم قبض ما قدّر به ، وأنشد ارتجالا : [الوافر]
[١] هو الزبير بن عمر أحد ولاة الملثمين سماه ابن سعيد صاحب قرطبة والحقيقة أنه كان واليا على غرناطة.
والزبير هذا هو الذي هجاه الشاعر المعروف بالأبيض. انظر المغرب ج ٢ ص ١٢٧.
[٢] أبو بكر بن بقيّ الطليطلي : أحد كبار الشعراء الوشاحين في عصر المرابطين. توفي سنة ٥٤٠ ه. انظر معجم الأدباء ١٩ / ٢١ ووفيات الأعيان ٥ / ٢٤٨ والمغرب ٢ / ١٩.
[٣] الدّنّ : وعاء الخمر الكبير. والنّور : الزهر.
[٤] في ب : مجاريه سيل النهر ما غنّت الورق. والورق : الحمائم البيض.