نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٣١ - استيلاء المعتمد بن عباد على قرطبة
تلاحق رجله وخيله ، حتى أمكنتهم منه عثرة لم يقل لها لعا ، ولا استقال [١] منها ولا سعى ، فترك ملتحفا في الظلماء [٢] ، تحت نجوم السماء [٣] ، معفرا في وسط أكماء [٤] ، تحرسه الكواكب ، بعد المواكب ، ويستره الحندس [٥] ، بعد السندس [٦] ، فمر بمصرعه سحرا أحد أئمة الجامع المغلّسين ، فرآه وقد ذهب ما كان عليه ومضى ، وهو أعرى من الحسام المنتضى ، فخلع رداءه عن منكبيه ونضاه ، وستره به سترا أقنع المجد به وأرضاه ، وأصبح لا يعلم رب تلك الصنيعة ، ولا يعرف فتشكر له يده الرفيعة ، فكان المعتمد إذا تذكر صرعته ، وسعّر الحزن لوعته ، رفع بالعويل نداءه ، وأنشد «ولم أدر من ألقى عليه رداءه» [٧] ، ولما كان من الغد حزّ رأسه ورفع على سن رمح وهو يشرق كنار على علم ، ويرشق نفس كل ناظر بألم ، فلما رمقته الأبصار ، وتحققته الحماة والأنصار ، رموا أسلحتهم ، وسوّوا للفرار أجنحتهم ، فمنهم من اختار فراره وجلاه ، ومنهم من أتت به إلى حينه رجلاه ، وشغل المعتمد عن رثائه بطلب ثاره ، ونصب الحبائل لوقوع ابن عكاشة وعثاره ، وعدل عن تأبينه ، إلى البحث عن مفرقه وجبينه ، فلم تحفظ له فيه قافية ، ولا كلمة للوعته شافية ، إلا إشارته إليه ، في تأبين أخويه ، المأمون والراضي المقتولين في أول النائرة [٨] ، والفتنة الثائرة ، انتهى.
وقد رأيت أن أزيد على ما تقدم ـ مما قصدت جلبه في هذا الموضع ـ نبذة من كلام الفتح في ذكر منتزهات قرطبة وغيرها من بلاد الأندلس ووصف مجالس الأنس التي كانت بها مما تنشرح له الأنفس ، ووقع ذكر غير قرطبة والزهراء لهما تبعا ، ولا يخلو ذلك من عبرة بحال من جعل في اللهو مصيفا ومرتبعا ، ثم طواه الدهر طيّ السجل ، ومحا آثاره التي كانت تسمو وتجلّ ، وما قصدنا علم الله غير الاعتبار ، بهذه الأخبار ، لا الحث على الحرام ، وتسهيل القصد إليه والمرام ، والأعمال بالنيات ، والله سبحانه كفيل بفضله وكرمه ببلوغ الأمنيات ، وتعويضنا عن هذه النعم الفانيات ، بالنعم الباقيات السنيّات.
[١] في ب ، ه : ولا استقل منها.
[٢] في ب ، ه : ملتحفا بالظلما.
[٣] في ب ، ه : السما.
[٤] في ب ، ه : في وسط الحمى.
[٥] الحندس : الظلام الشديد.
[٦] السندس : نوع من رقيق الحرير.
[٧] هذا صدر بين لأبي خراش الهذلي ، وهو :
| ولم أدر من ألقى عليه رداءه | سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض |
[٨] النائرة : العداوة الشديدة.