نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٢٨ - ترجمة أبي عامر بن شهيد
| يحني الضّلوع على مثل اللّظى حرقا | والوجه غمر بماء البشر ريّان[١] |
وهو مأخوذ من قول الرضي : [الكامل]
| ما إن رأيت كمعشر صبروا | عزّا على الأزلات والأزم | |
| بسطوا الوجوه وبين أضلعهم | حرّ الجوى ومآلم الكلم |
وله أيضا : [البسيط]
| كلفت بالحبّ حتّى لو دنا أجلي | لما وجدت لطعم الموت من ألم | |
| كلا النّدى والهوى قدما ولعت به | ويلي من الحبّ أو ويلي من الكرم |
وأخبرني الوزير أبو الحسين [٢] بن سراج ـ وهو بمنزل ابن شهيد ـ وكان من البلاغة في مدى غاية البيان ، ومن الفصاحة في أعلى مراتب التبيان ، وكنا نحضر مجلس شرابه ، ولا نغيب عن بابه ، وكان له بباب الصّومعة من الجامع موضع لا يفارقه أكثر نهاره ، ولا يخليه من نثر درره وأزهاره ، فقعد في ليلة ٢٧ من رمضان في لمة من إخوانه [٣] ، وأئمة سلوانه ، وقد حفّوا به ليقطفوا نخب أدبه ، وهو يخلط لهم الجدّ بهزل ، ولا يفرط في انبساط مشتهر ولا انقباض جزل ، وإذا بجارية من أعيان أهل قرطبة معها من جواريها ، من يسترها ويواريها ، وهي ترتاد موضعا لمناجاة ربها ، وتبتغي منزلا لاستغفار ذنبها ، وهي متنقبة ، خائفة ممن يرقبها مترقبة ، وأمامها طفل لها كأنه غصن آس ، أو ظبي يمرح في كناس ، فلما وقعت عينها على أبي عامر ولّت سريعة ، وتولت مروعة ، خيفة أن يشبب بها [٤] ، أو يشهرها باسمها ، فلما نظرها قال قولا فضحها به وشهرها [٥] : [المتقارب]
| وناظرة تحت طيّ القناع | دعاها إلى الله بالخير داعي | |
| سعت خفية تبتغي منزلا | لوصل التبتّل والانقطاع | |
| فجاءت تهادى كمثل الرّؤوم | تراعي غزالا بروض اليفاع | |
| وجالت بموضعنا جولة | فحلّ الرّبيع بتلك البقاع | |
| أتتنا تبختر في مشيها | فحلّت بواد كثير السّباع | |
| وريعت حذارا على طفلها | فناديت يا هذه لا تراعي |
[١] اللظى : لهب النار.
[٢] ديوان الرضي : ج ٢ ص ٤٢٢.
[٣] اللمة : الجماعة.
[٤] يشبب بها : يتغزل.
[٥] ديوان ابن شهيد ص ٩٤.