نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٢٠ - مآل مصحف عثمان الذي كان بالأندلس
| وحجّ إليك الرّكن والمرو والصّفا | فأنت لذاك الحجّ حجّ ومقصد | |
| مشاعرها الأجسام والرّوح أمركم | ومنكم لها يرضى المقام المخلّد | |
| فلله حجّ واعتمار وزورة | أتتنا ولم يبرحك بالغرب مشهد | |
| ولله سبع نيّرات تقارنت | بها فئة الإسلام تحمى وتسعد[١] | |
| إذا لم يكن إلّا فناءك عصمة | فماذا الّذي يرجو القصيّ المبعّد | |
| فدم للورى غيثا وعزّا ورحمة | فقربك في الدارين منج ومسعد | |
| وزادت بك الأعياد حسنا وبهجة | كأنّك للأعياد زيّ مجدّد | |
| ولا زلت للأيّام تبلي جديدها | وعمرك في ريعانه ليس ينفد |
ثم إنهم أدام الله سبحانه تأييدهم ، ووصل سعودهم ، لما أرادوا من المبالغة في تعظيم المصحف المذكور ، واستخدام البواطن والظواهر فيما يجب له من التوقير والتعزير [٢] ، شرعوا في انتخاب كسوته ، وأخذوا في اختيار حليته ، وتأنقوا في استعمال أحفظته ، وبالغوا في استجادة أصونته [٣] ، فحشروا له الصّنّاع المتقنين والمهرة المتفنّنين ممن كان بحضرتهم العلية ، أو سائر بلادهم القريبة والقصيّة ، فاجتمع لذلك حذّاق كل صناعة ، ومهرة كل طائفة من المهندسين والصواغين والنظامين والحلائين [٤] والنقاشين والمرصّعين والنجارين والزواقين والرسامين والمجلدين وعرفاء البنائين ، ولم يبق من يوصف ببراعة ، أو ينسب إلى الحذق في صناعة ، إلا أحضر للعمل فيه ، والاشتغال بمعنى من معانيه ، فاشتغل أهل الحيل الهندسية بعمل أمثلة مخترعة ، وأشكال مبتدعة ، وضمنوها من غرائب الحركات ، وخفي إمداد الأسباب للمسببات ، ما بلغوا فيه منتهى طاقتهم ، واستفرغوا فيه جهد قوتهم ، والهمة العلية أدام الله سموها تترقى فوق معارجهم [٥] وتتخلص كالشهاب الثاقب وراء موالجهم [٦] ، وتنيف على ما ظنوه الغاية القصوى من لطيف مدارجهم ، فسلكوا من عمل هذه الأمثلة كل شعب [٧] ، ورأبوا
[١] في ج : تحيا وتسعد.
[٢] التعزير : التعظيم والتوقير ، وفي القرآن (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ).
[٣] الأصونة : جمع صوان ، وهو ما يحفظ فيه الشيء.
[٤] الحلائين : صانعي الحلي.
[٥] المعارج : السلالم.
[٦] الموالج : المداخل.
[٧] الشعب : الصدع.