الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٢٤٠ - الباب الثامن في فضل الدعاء
فخفت أن أسلّم عليك، فأشتغل بالسلام، فآثم و أخون. فقلت له: فرأيتك تنظر عن يمينك و شمالك، أ تخاف؟ قال: نعم. قلت: ممّ ذا؟ قال: من الموت، لا أدري من أين يأتي؟
أ من يميني أم من شمالي؟ فقلت: فبكم تعمل كلّ يوم؟ قال: بدرهم و دانق. قلت: فما ذا تصنع به؟ قال: أتقوّت بالدّانق [أنا و أهلي]، و أنفق الدّرهم على أولاد لأخي. قلت: أ من أمّك و أبيك؟ قال: لا، بل آخيته[١] في اللّه عزّ و جلّ، و مات، فأنا أقوم بأهله و أولاده.
فقلت له: هل دعوت اللّه في حاجة فأجابك فيها؟ قال: لي حاجة أنا منذ عشرين سنة أدعو اللّه عزّ و جلّ و ما قضاها. قلت: و ما هي؟ قال: بلغني أنّ في العرب رجلا تميّز عن الزاهدين، وفاق العابدين يقال له إبراهيم بن أدهم، دعوت اللّه عزّ و جلّ في رؤيته، و أموت [بين يديه]. فقلت: أبشر يا أخي، قد قضى اللّه حاجتك [و قبل دعوتك]، و ما رضي لي أن آتي إليك إلّا سحبا على وجهي. قال: فوثب من مكانه، و عانقني، و سمعته يدعو و يقول:
اللّهمّ، قضيت حاجتي، و أجبت دعوتي، اللّهمّ اقبضني. فأجاب اللّه تعالى دعوته الثانية في الحال، و سقط ميتا، رحمه اللّه و نفع به[٢].
* و قيل: كان عامّة دعاء إبراهيم بن أدهم: اللّهمّ، انقلني من ذلّ معصيتك إلى عزّ طاعتك.
* و قال الأستاذ أبو عليّ الدّقاق: ظهرت علّة بيعقوب بن الليث[٣]، أعيت الأطباء، فقالوا له: في ولايتك رجل صالح يسمّى سهل بن عبد اللّه، لو دعا لك، لعلّ اللّه يستجيب له. فاستحضره، و قال: ادع اللّه لي. فقال سهل: كيف يستجاب دعائي فيك، و في حبسك مظلومون؟! فأطلق كلّ من في حبسه. فقال سهل: اللّهمّ، كما أريته ذلّ المعصية، فأره عزّ الطاعة، و فرّج عنه. فعوفي، فعرض مالا على سهل، فأبى أن يقبله، فقيل له: لو قبلته و دفعته إلى الفقراء. فنظر إلى الحصى في الصحراء، فإذا هي جواهر، فقال: من يعطى مثل هذا، يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث[٤].
[١] -في هامش( أ) و روض الرياحين ٣٧٨: أحببته.
[٢] -روض الرياحين ٣٨٨( الحكاية ٣٤٧) و ما بين معقوفين مستدرك منه.
[٣] -يعقوب بن الليث من أبطال العالم، و أحد الأمراء الدهاة، غلب على سجستان سنة( ٢٤٧) و امتلك هراة، و اعترض الترك فقتل ملوكهم، و استولى على فارس و نيسابور، مات سنة ٢٦٥.
[٤] -روض الرياحين ٣٠٧( الحكاية ٢٥٣).