الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٨٠ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
فقد انتهت النوبة إليك، فاتّكأ على عصاه و دعا، فإذا بطبقين عليهما أضعاف ما كان على طبقي، قال: فتحيّرت و تغيّرت، و أبيت أن آكل، فألحّ عليّ، فلم أجبه، فقال: كل، فإني أبشّرك ببشارتين؛ إحداهما: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، و أشهد أنّ محمدا رسول اللّه، و حلّ الزّنار، و الأخرى قلت: اللّهمّ، إن كان لهذا العبد خطر[١]. عندك فافتح عليّ، فأكلنا و مشينا و حججنا، و أقمنا بمكّة سنة؛ و مات فدفن بالبطحاء[٢].
* و قال محمد بن المبارك الصّوري[٣]: كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس، فنزلنا وقت القيلولة تحت شجرة رمّانة، فصلّينا ركعات، و سمعت صوتا من أصل تلك الرّمانة: يا أبا إسحاق، أكرمنا بأن تأكل منّا شيئا، فطأطأ إبراهيم رأسه، فقال ثلاث مرات، ثم قالت: يا محمد، كن شفيعا إليه ليتناول منّا شيئا، فقلت: يا أبا إسحاق، لقد سمعت. فقام و أخذ رمّانتين، فأكل واحدة، و ناولني الأخرى، فأكلتها و هي حامضة، و كانت شجرة قصيرة، فلما رجعنا من زيارتنا إذ هي شجرة عالية و رمّانها حلو، و هي تثمر في كلّ عام مرتين، و سمّوها رمانة العابدين، و يأوي إلى ظلّها العابدون[٤].
* و قال بعضهم: كنّا بعسقلان، و شابّ يغشانا يتحدّث معنا، فإذا فرغنا قام إلى الصلاة يصلّي، قال: فودّعني يوما، و قال: أريد الإسكندرية. فخرجت معه، و ناولته دريهمات، فأبى أن يأخذها، فألححت عليه، فألقى كفّا من الرّمل في ركوته، و استقى من ماء البحر، و قال كلمة، فنظرت فإذا هو سويق[٥] بسكّر كثير، فقال: من كان حاله معه مثل هذا يحتاج إلى دراهمك، ثم أنشد يقول:
|
بحقّ الهوى يا أهل ودّي تفهّموا |
لسان وجود بالوجود غريب |
|
[٦]
[١] -جاء في هامش( ج): و في نسخة حظّ.
[٢] -روض الرياحين ١٨٨( الحكاية: ١١٥).
[٣] -محمد بن المبارك الصوري القرشي العابد الحافظ الحجة الفقيه، كان شيخ دمشق و فقيهها، خرّجوا له في الكتب الستة، دفن بدمشق بباب الجابية سنة ٢١٥.
[٤] -روض الرياحين ٣٠٥( الحكاية: ٢٥١).
[٥] -السّويق: طعام من دقيق الشعير أو الحنطة المقلو. متن اللغة( سوق).
[٦] -في هامش( أ): الوجود الأول هو الغيبة بشهود المعبود، و الوجود الثاني هو الوجود اللغوي.