الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٧٦ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
فلان- سمّاه- بخمسين دينارا، فقال: فأخذتها، و خرجت، فأوّل من لقيت فقير ضرير- أو قال أكمه- بين يدي مزيّن يحلق شعره، فناولته ذلك، فقال: أعطه المزيّن. فقلت: إنّها دنانير. فرفع رأسه إليّ، فقال: ما قلنا لك إنّك بخيل! فناولتها المزيّن، فقال: مذ قعد بين يدي هذا الفقير عقدت مع اللّه تعالى عقدا أن لا آخذ على حلاقته شيئا. قال: فأخذتها، و ذهبت إلى البحر، و رميت بها فيه، و قلت: فعل اللّه بك و فعل، ما أحبّك أحد إلّا أذلّه اللّه. رضي اللّه عن الثلاثة، و نفعنا بهم[١].
قلت: فإن اعترض الفقهاء على هذا، و قالوا: هذا إضاعة مال، فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون فعل ذلك في حال حال ورد عليه، و ذو الحال الغائب غير مكلّف. الثاني: أن يكون أشهد فيها سمّا مهلكا من صارت إليه، فأتلفها، كما تتلف الأفعى. الثالث: أن يكون بإشارة مؤذنة بالإذن، اضطرته إلى ذلك، و لم يجد عنه محيصا.
هذا ما ظهر لي في ذلك و اللّه أعلم.
* و قيل خرج عبد اللّه بن جعفر الطيّار[٢] رضي اللّه عنهما إلى ضيعة له. فنزل على نخيل قوم، و فيها غلام أسود يعمل فيها، إذ أتي الغلام بقوته، و دخل كلب من الحائط، فدنا من الغلام، فرمى الغلام له بقرص، فأكله، ثم رمى إليه بالثاني، و الثالث فأكله، و عبد اللّه ينظر، فقال: يا غلام، كم قوتك كلّ يوم؟ قال: هو ما رأيت. قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب، إنّما جاء من مسافة بعيدة جائعا، فكرهت ردّه.
قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا. فقال عبد اللّه بن جعفر: يلومونني على السخاء! و هذا أسخى مني. فاشترى الغلام و الحائط و ما فيه من الآلات، فأعتق الغلام، و وهب له الحائط و ما فيه.
* و قيل: لما قدم الإمام الشافعي رضي اللّه عنه من صنعاء إلى مكّة كان معه عشرة آلاف دينار، فقيل له: تشتري بها ضيعة؟ فضرب خيمة خارج مكّة، و صبّ الدنانير، فكلّ من
[١] -روض الرياحين صفحة ١٨٧( الحكاية: ١١٤).
[٢] -عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب( ١- ٨٠ ه) صحابي، ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها، و هو أول من ولد بها من المسلمين، كان كريما يسمى بحر الجود، و كان أحد الأمراء في جيش علي رضي اللّه عنه يوم صفين، مات بالمدينة.