الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٧٢ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
و كان هيّن المئونة، ليّن الخلق، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاما من غير ضحك، محزونا من غير عبوسة، متواضعا من غير مذلّة، جوادا من غير سرف رقيق القلب، رحيما بكلّ مسلم، لم يتجشّأ قطّ من شبع، و لم يمدّ يده إلى الطمع.
* و قال عروة بن الزّبير[١] رضي للّه عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و على عاتقة قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا. فقال: لمّا أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت في نفسي نخوة[٢]، فأحببت أن أكسرها. و مضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار، فأفرغها في إنائها.
* و روي أنّ أبا هريرة رضي اللّه عنه مرّ في المدينة و هو أميرها، و على ظهره حزمة حطب، و هو يقول: طرّقوا للأمير.
* و روي أنّ عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه كان يكتب شيئا، و عنده ضيف؛ و كاد السّراج أن ينطفئ، فقال الضّيف: أقوم إلى المصباح فأصلحه، فقال: ليس من الكرم استعمال الضيف. قال فأنبّه الغلام؟ قال: لا، هي أول نومة نامها. فقام إلى البطّة[٣]، و جعل الدّهن في المصباح، فقال الضيف: قمت بنفسك، يا أمير المؤمنين؟ فقال: ذهبت و أنا عمر، و رجعت و أنا عمر.
و كان يؤتى بالحلّة قبل أن يلي الخلافة، بألف درهم، فيقول: ما أحسنها لو لا خشونة فيها. و يؤتى بالحلّة و هو في الخلافة بأربعة دراهم أو بستّة دراهم، فيقول: ما أحسنها، لو لا نعومة فيها.
* و كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في دلقه[٤] بضع عشرة رقعة، بعضها من أدم، و هو خليفة.
* و كذلك عليّ رضي اللّه عنه اشترى في خلافته قميصا بثلاثة دراهم، و قطع أكمامه من
[١] -عروة بن الزبير بن العوام( ٢٢- ٩٣ ه): أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، كان عالما صالحا كريما. لم يدخل في شيء من الفتن.
[٢] -النخوة: الافتخار و التعظّم.
[٣] -في( ج): أي إناء القارورة.
[٤] -في( أ) و( ج): الدّلق: قميص الجلد، أي ثوب غليظ اه.