الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٢٠٥ - الباب الخامس في فضل التسبيح و نحوه من الأذكار
و في رواية له: «إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه».
قال الإمام محيي الدين النواويّ رضي اللّه عنه في «شرح صحيح مسلم»[١]: هذا الحديث من أحاديث الصّفات، و فيه مذهبان مشهوران للعلماء و مختصرهما: أنّ أحدهما و هو مذهب جمهور السّلف، و بعض المتكلّمين، أنّه نؤمن بأنّها حقّ على ما يليق باللّه تعالى، و أنّ ظاهرها المتعارف في حقّنا غير مراد، و لا نتكلّم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه اللّه تعالى عن صفات المخلوق، و عن الانتقال و الحركات و سائر سمات الخلق.
و الثاني: مذهب أكثر المتكلّمين و جماعة من السّلف، و هو محكيّ عن مالك و الأوزاعي، أنّها تتأوّل على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأوّلوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما تأويل مالك بن أنس و غيره، معناه تنزل رحمته تبارك و تعالى، أو أمره أو ملائكته، كما يقال: فعل السّلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره، و الثاني على سبيل الاستعارة، و معناه الإقبال على الدّاعي بالإجابة و اللّطف، و اللّه أعلم. هذا آخر كلام النّواوي رحمه اللّه تعالى.
و قال الإمام حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي اللّه عنه: ما أسهل على العارف إرشاد الجاهل أن يقول: إن كان المراد من النّزول إلى السّماء الدّنيا، ليسمعنا فما سمعنا، فلا فائدة في النزول. فهذا معنى كلامه رحمه اللّه تعالى.
قلت: و الذي نعتقده أنّ أحاديث الصّفات ليست على ظاهرها، و أنّ لها تأويلات تليق بجلال اللّه تعالى، و لا نقطع بتعيين تأويل منها؛ بل نكل ذلك إلى العليم الخبير الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، و كذلك نعتقد ما اعتقده العارفون و العلماء، أنّه سبحانه استوى على العرش على الوجه الذي قاله، و بالمعنى الذي أراده، استواء منزّها عن الحلول و الاستقرار و الحركة و الانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش و حملته محمولون بلطف قدرته، لا يقال: أين كان؟ و لا متى كان؟ كان و لا مكان و لا زمان، و هو الآن على ما عليه كان، تعالى عن الجهات و الأقطار، و الحدود و المقدار، لا يحلّ في شيء، و لا يحلّه شيء، كلّ يوم هو في شأن في أفعاله، لا في ذاته و لا في
[١] -شرح صحيح مسلم ٦/ ٣٦.