الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٥٠ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
* و قال لي مرة بعض الصالحين: عجبت من هؤلاء الفقهاء الذين ما شغلهم إلّا بالكتب.
* قلت: و وقع لي خاطران في بداية اشتغالي بالعلم: أحدهما يدعوني إلى العلم، و الآخر إلى التعبّد، و تعبت في مجاذبتهما، حتّى فرّج اللّه تعالى، و له الحمد بإشارات منها: أني كنت مهموما في ذلك في باطني مثل النار، ففتحت كتابا، فواجهتني ورقة ليست من الكتاب، و لم أرها فيه قبل ذلك، و إذا فيها أبيات ما كنت سمعتها، فلمّا قرأتها ذهب همّي و برد احتراقي، و سكن اضطراب الخاطرين المذكورين، و هي هذه الأبيات:
|
كن عن همومك معرضا |
و كل الأمور إلى القضا |
|
|
فلربّما اتّسع المضي |
ق و لربّما ضاق الفضا |
|
|
و لربّ أمر متعب |
لك في عواقبه رضا |
|
|
اللّه يفعل ما يشا |
ء فلا تكن متعرّضا |
|
* و غيره مخمس:
|
فناديت قلبي اسمع و خذ بالإشارة |
فيا حسن ما في ضمنها من بشارة |
|
|
و در بعد مع ريح القضا حيث دارت |
و سلّم لسلمى ثم سر حيث سارت |
|
عسى من خدور الحيّ تبدو بدورها
|
إذا ما بدت ناديت في كلّ حلّة |
ألا يا لقومي أعلموني بحيلة |
|
|
إلى وصل خودات كعاب جميلة |
أراك الحمى قل لي بأيّ وسيلة |
|
توسّلت حتّى قبّلتك ثغورها
|
بقطع لأصلي مع فراقي لبلدتي |
و ذلّي و سيحي في البلاد و غربتي |
|
|
و إيباس نفسي بعد زهري و خضرتي |
رحمت على صبري على كلّ كربتي |
|
فصفي لنفسي بالوصال سرورها قلت: و هذه الأقوال التي ذكرناها تدلّ على شدّة الاعتناء بالعمل، و لا يتوّهم أحد أنّ مرادي بذكرها أن يترك العمل أو يهمل، أو ذمّ الأخيار من العلماء الأفاضل، و مدح من هو بمعرفة ما يلزمه معرفته جاهل من فروض العبادات، و العقيدة الصحيحة، و كيف أريد ذلك