الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٣٨ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
* و قيل: إنّ بنانا الحمّال[١] احتاج إلى جارية تخدمه، فانبسط إلى إخوانه، فجمعوا له ثمنها، و قالوا: هو ذا يجيء النّفر فنشتري ما يوافق. فلمّا ورد النّفر اجتمع رأيهم على واحدة، و قالوا: إنّها تصلح له. فقالوا لصاحبها: بكم هذه؟ فقال: إنّها ليست للبيع، فألحّوا عليه، فقال: إنّها لبنان الحمّال، أهدتها له امرأة من سمرقند، فحملت إلى بنان، و ذكرت له القصة.
* و قال الشيخ العارف أبو الرّبيع، صاحب الكرامات و المقام الرفيع المالقي[٢] رضي اللّه عنه: سمعت بامرأة من الصالحات في بعض القرى اشتهر أمرها، و كان من دأبنا أن لا نزور امرأة، فدعت الحاجة إلى زيارتها للاطّلاع على كرامة اشتهرت عنها، و كانت تدعى بالفضة، فنزلنا القرية التي هي فيها، فذكر لنا أنّ عندها شاة تحلب لبنا و عسلا، فاشترينا قدحا جديدا لم يوضع فيه شيء، و مضينا إليها، و سلّمنا عليها، ثم قلنا لها: نريد أن نرى هذه البركة التي ذكرت لنا عن هذه الشاة التي عندكم. فأخذنا الشاة، و حلبناها في القدح، فشربنا لبنا و عسلا. فلمّا رأينا ذلك سألناها عن قصّة الشاة، فقالت: نعم، كانت لنا شويهة، و نحن قوم فقراء، و لم يكن لنا شيء، فحضر العيد، فقال لي زوجي، و كان رجلا صالحا: نذبح الشاة في هذا اليوم. فقلت له: لا تفعل؛ فإنّه قد رخّص لنا في الترك، و اللّه يعلم حاجتنا إليها. فاتّفق أن استضاف بنا في ذلك اليوم ضيف، و لم يكن عندنا قراه، فقلت له: يا رجل، هذا ضيف، و قد أمرنا بإكرامه، فخذ تلك الشّاة فاذبحها. قال: فخفنا أن يبكي[٣] عليها صغارنا، فقلت له: أخرجها من البيت إلى وراء الجدار فاذبحها، فلمّا أراق دمها، قفزت شاة على الجدار، فنزلت إلى البيت، فخشيت أن تكون قد انفلتت منه، فخرجت لأنظرها، فإذا هو يسلخ الشاة، فقلت له: يا رجل، عجبا، و ذكرت له القصة، فقالت: لعلّ اللّه أن يكون قد أبدلنا خيرا منها. فكانت تلك تحلب اللبن، و هذه تحلب اللّبن و العسل ببركة إكرامنا الضيف، ثم قالت: يا أولادي، إن شويهتنا هذه ترعى في قلوب
[١] -بنان بن محمد الحمال الواسطي ثم المصري له كرامات سنية، و مواقف عليه، أسند الحديث، مات سنة ٣١٦ في مصر.
[٢] -أبو الربيع الكفيف المالقي من أكابر الأولياء، و أعاظم الأصفياء، له كلام عال في الطريق. الطبقات الصغرى للمناوي ١٣٣.
[٣] -في( أ): فقال: نخشى أن يبكي.