الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٣٢ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
عشر درهما، و كانت قباء، و عمامة، و قميصا، و سراويل، و رداء، و خفين، و قلنسوة.
* و قال إبراهيم بن أدهم: ما سررت في إسلامي إلّا ثلاث مرّات؛ مرّة كنت في سفينة و فيها رجل مضحاك، كان يقول: كنا نأخذ العلج في بلاد الترك هكذا. و يأخذ بشعر رأسي و يهزني، فسرّني ذلك؛ لأنّه لم يكن في تلك السفينة أهون منّي، و لا أحد في عينه أحقر منّي، و الثانية: كنت عليلا في مسجد، فدخل المؤذّن فقال: اخرج. فلم أطق، فأخذ برجلي، و جذبني إلى خارج، و الثالثة: كنت في الشام، و عليّ فروة، فنظرت فيه، فلم أميّز بين ظاهره و باطنه، من كثرة القمل، فسرّني ذلك.
* و في حكاية أخرى عنه قال: ما سررت بشيء كسروري إذ كنت جالسا، فجاء إنسان و بال عليّ.
* و عن أبي جعفر الحدّاد قال: جاءني أبو تراب النّخشبي و أنا في البادية جالس على بركة ماء، ولي ستة عشر يوما لم آكل و لم أشرب، فقال لي: ما جلوسك؟ فقلت: أنا بين العلم و اليقين، انظر ما يغلب، فأكون معه- يعني إن غلب العلم شربت، و إن غلب اليقين مررت- فقال: سيكون لك شأن.
* و قال الجنيد: قد مشى رجال باليقين على الماء، و مات بالعطش أفضل منهم يقينا.
* و قيل: وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشدّ على الصابرين؟ فقال: الصبر في اللّه. فقال: لا. فقال: الصّبر للّه. فقال: لا. فقال: الصبر مع اللّه. قال: لا. قال:
فأيش؟ فقال: الصبر عن اللّه. فصرخ الشبليّ صرخة كادت روحه تتلف.
* قلت: هذا الصبر المذكور في هذه الألفاظ قد انقسم على أربعة أقسام، لكلّ قسم معنى يطول في شرحه الكلام، و يدقّ معناه على بعض الأفهام، و ها أنا أشير إلى ذلك بعض الإشارة بواضح العبارة، ممثّلا كلّ قسم بمثال ممّا ظهر لي في الحال، راغبا إلى اللّه الكريم في التوفيق و صلاح الحال، و غفران أقوال لا تناسب الأفعال، و أفعال لا تناسب الأقوال.
و أمّا القسم الأول و هو الصبر في اللّه: فمثاله احتمال المشقّة في مصالح المسلمين.
و أما القسم الثاني، و هو الصبر للّه: فمثاله احتمال الشّدائد و البلاء، و امتثال الأوامر، و اجتناب النواهي في جميع أحكام الدين.
و أمّا القسم الثالث، و هو الصبر مع اللّه: فمثاله مجاهدة النّفس في نفي الغفلة، و إلزامها