الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١١٥ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
حاجة تعسّرت عليّ، و رأيت إنسانا بين يديه، و الشيخ مقبل عليه يكلّمه، و لم أدر بأيّ شيء يكلّمه، فسلّمت على الشيخ، و مشيت خلفه، و عرضت عليه شيئا، فاستحسنه- أعني جوابا أجبت به- ثم ودّعته، و إذا قائل يقول لي: الظاهر أنّ اللّه يريد بك خيرا، و لكنّك تحتاج إلى صبر، إذ الصبر من شأن الأجواد، و أبشر بكذا و كذا، يبشّرني بقضاء تلك الحاجة، ثم انتبهت، و سررت بما رأيت، و خطر لي أن أبشّر ذلك الإنسان الذي رأيت الشيخ يكلّمه بإقبال الشيخ عليه، فإذا به قد جاءني بقضاء تلك الحاجة التي طلبتها، ففهمت أنّ الشيخ ما كان يكلّمه إلّا من أجلي، نفع اللّه به، و جزاه عنّا أفضل الجزاء.
* و كان رضي اللّه عنه صاحب همّة عالية، و صورة حسنة حالية، و لحية مليحة طويلة، و هيبة في القلوب، و منزلة جليلة، و كان لا يكاد يضحك، فلمّا كان بعض الأيام خرج مع جنازة بعض الصالحين، فضحك حين تلقين المدفون، فسأله بعض أصحابه عن ضحكه، فزجره عن سؤاله، فلمّا كان بعد ذلك قال: ما ضحكت إلا لأنّه لما جلس الملقّن على القبر يلقّن، سمعت صاحب القبر يقول: أ لا تعجبون من ميت يلقّن حيّا؟!* و قال بعضهم: الصّوفيّ لا يموت.
* و رأيت شيخ شيخنا السيد الجليل جامع الخصال الحميدة، ذا السّيرة السنية السديدة، أبا الخطاب عمر بن علي الصفّار بعد موته في النوم رضي اللّه عنه، فقلت له:
يا سيدي، أنت ما متّ؟ قال: عجب أن يقال إنّي متّ، ثم مسح على صدري، و دعا لي فقال: أصلحك اللّه صلاحا لا فساد له.
* و كذلك رأيت الشيخ الإمام محيي الدّين النواوي رضي اللّه عنه، و عليه هيبة عظيمة تزلزل الجبال كأنّما القيامة قد قامت، و هو يذكر اللّه و يمجّده، و يعظّم وعده و وعيده، ثم دعا لي فقال: ثبّتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدّنيا و في الاخرة. فاللّه تعالى يستجيب منهما ذلك بجاههما عليه.
* و قد قيل: النّاس موتى إلّا العالمين، و العالمون نائمون إلّا العاملين، و العاملون مغرورون إلّا الخائفين، و الخائفون هالكون إلا المخلصين، و المخلصون على خطر.
* و قال ذو النّون المصري: ثلاث من علامات الإخلاص: استواء المدح و الذمّ من العامة، و نسيان رؤية الأعمال، و اقتضاء ثواب العمل في الاخرة.