الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٠٤ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
بكلام حسن، أعجبت منه، فلمّا رأى إعجابي قال: لا تعجب، أ تدري من أين هذا؟ هذا من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد.
* و ذكر الجنيد أنّ شيخه العارف باللّه السريّ رضي اللّه عنهما، كان يقول له: تكلّم على الناس، قال الجنيد: و كان في قلبي حشمة[١] من الكلام على الناس، و كنت أتّهم نفسي في استحقاق ذلك، فرأيت النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم في المنام في ليلة جمعة، فقال لي: تكلّم على الناس.
فانتبهت، و أتيت باب السّريّ قبل أن أصبح، فدققت عليه الباب. فقال: لم تصدّقنا حتّى قيل لك. فقعد للنّاس في الجامع بالغداة، و انتشر في الناس أنّ الجنيد قد قعد يتكلّم على الناس، فوقف عليه غلام نصرانيّ متنكّر، و قال: أيّها الشيخ، ما معنى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:
«اتّقوا فراسة[٢] المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه»؟[٣]، فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه، و قال:
أسلم؛ فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام[٤].
* و روي أنّ النّجيب بن النجيب أبا المعالي إمام الحرمين[٥] رضي اللّه عنه، كان يدرّس يوما في المسجد بعد صلاة الصّبح، فمرّ عليه بعض شيوخ الصوفية، و معه أصحابه من الفقراء، و قد دعوا إلى بعض المواضع، فقال إمام الحرمين في نفسه: ما شغل هؤلاء إلّا الأكل و الرقص. فلمّا رجع الشيخ من الدعوة مرّ عليه، و قال: يا فقيه، ما تقول فيمن يصلّي الصّبح و هو جنب، و يقعد في المسجد و يدرّس العلوم، و يغتاب الناس؟ فذكر إمام
[١] -في( أ) و( ج): الحشمة بالكسر: الحياء.
[٢] -جاء في هامش( أ): الفراسة نوعان: أحدهما ما يوقع في قلوب أوليائه، فيعلمون بعض للآخر، بنوع كرامة و إصابة الظنّ و الحدس، و منه« اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور اللّه». و الثاني يتعلم بالدلائل و التجارب و الخلق و الأخلاق.
[٣] -رواه الترمذي( ٣١٢٧) في التفسير، باب و من سورة الحجر، و في سنده عطية العوفي، و هو ضعيف.
[٤] -روض الرياحين ٢١٠( الحكاية: ١٣٢).
[٥] -عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف الجويني، أبو المعالي، ركن الدين الملقب بإمام الحرمين( ٤١٩- ٤٧٨ ه) أعلم المتأخرين، من أصحاب الشافعي، جاور في مكة أربع سنين، ثم ذهب إلى المدينة، فأفتى و درّس جامعا طرق المذاهب، ثم عاد لبلده نيسابور، فكان يحضر دروسه أكابر العلماء، له مصنفات كثيرة.