الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ١٠٠ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
يقينهم، و شدّة صدقهم، فهم المحبّون المحبوبون[١].
* و من ذلك أيضا: قضية أبي حمزة الخراساني، قال: حججت سنة من السنين، فبينما أنا أمشي إذ وقعت في بئر، فنازعتني نفسي أن أستغيث؛ فقلت لها: لا و اللّه، لا أستغيث، فما استتمّ هذا الخاطر حتى مرّ برأس البئر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال حتى نسدّ رأس هذا البئر، لئلا يقع فيه أحد، فأتوا بقصب و بارية[٢]، و طمسوا رأس البئر، فهممت أن أصيح، ثم قلت في نفسي: إلى من هو أقرب منهما، فسكتّ، فبينما أنا بعد ساعة إذا بشيء جاء و كشف عن رأس البئر، و أدلى رجله، و كأنّه يقول تعلّق بي في همهمة[٣] منه، كنت أعرف منه ذلك، فتعلّقت به، فأخرجني، فإذا هو سبع، فمرّ و هتف بي هاتف: يا أبا حمزة، أ ليس هذا أحسن؟ نجّيناك من التّلف بالتّلف، فمشيت و أنا أقول:
|
نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى |
و أغنيتني بالفهم منك عن الكشف |
|
|
تلطّفت في أمري فأبديت شاهدي |
إلى غائبي و اللّطف يدرك باللّطف |
|
|
تراءيت لي بالغيب حتى كأنّما |
تبشّرني بالغيب أنّك في الكفّ |
|
|
أراك و بي من هيبتي لك وحشة |
و تؤنسني باللّطف منك و بالعطف |
|
|
و تحيي محبّا أنت في الحبّ حتفه |
و ذا عجب كون الحياة مع الحتف |
|
[٤]* و لمّا سعي بالصوفية إلى بعض الخلفاء، أمر بضرب رقابهم، فأمّا الجنيد فتستّر بالفقه، و كان يفتي على مذهب أبي ثور[٥]، و أمّا الشحّام، و الرقّام، و النّوريّ فقبض عليهم، و بسط النّطع[٦]؛ لضرب رقابهم، فتقدّم النّوريّ، فقال السياف: أ تدري إلى
[١] -روض الرياحين ٥٥٣.
[٢] -البارية: الحصير المنسوج.
[٣] -في هامش( أ): أصل الهمهمة صوت البقر، و تستعمل في كل كلام خفي.
[٤] -روض الرياحين ١٨٩( الحكاية: ١١٧).
[٥] -أبو ثور هو إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي أحد أئمة الدنيا فقها و علما و ورعا و خيرا، صنف الكتب، و فرّع على السنن. كان أولا يتفقه بالرأي و يتكلم فيه، و يذهب إلى قول أهل العراق حتى قدم الشافعي بغداد، فاختلف إليه، و رجع عن الرأي إلى الحديث. له مسائل في الفقه أغرب فيها.
انظر طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/ ٧٤.
[٦] -في هامش( ج): النطع بالكسر، و الفتح، و بالتحريك، و كنعب: بساط من الأديم.