نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٨
إبراهيم قالوا : ( وانّا لفي شكّ ممّا تدعوننا إليه ) فيقال لهم : لا نسلّم
انّ قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله ، والدليل على قولنا ، قوله تعالى : ( وجحدوا بها استيقنتها أنفسهم ظلماً ) وقال موسى لفرعون : ( لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلاّ ربّ السموات والأرض بصائر ) فالقراءة بفتح التاء في علمت تدلّ على انّ فرعون كان عارفاً بالله ، وأمّا قوم إبراهيم حيث قالوا : ( وإنّا لفي شكّ ممّا تدعوننا إليه ) فهو مصروف إلى إثبات القيامة وإثبات التكاليف وإثبات النبوّة )(١).
وفي التعبير بـ ( لقد علمت .... ) إشارة واضحة إلى هذا المعنى .
والطريف أنَّ آيتين من هذه الآيات تذكران في النهاية بعد أخذ الإقرار من الكفّار والمشركين بأنَّ الله هو الخالق للإنسان والأرض والسماوات ( فأنّى تؤفَكون )(٢).
وبناء الجملة للمجهول إشارةٌ إلى أنَّ ذواتهم تسير في طريق الفطرة ، غير أنَّ أسباباً خارجية وهي ( شياطين الجنّ والإنس ) ، وأسباباً داخلية وهي ( أهواء النفس والعصبية الجاهلية ) تحرّفهم عن الحقّ رغم تجذّره في أعماق فطرتهم .
في حين جاء التعبير في موضع آخر بـ ( فأنّى تُسحَرُون ) بصيغة المبني للمجهول ، وهي عبارة تطلق على من يتّبع أمراً دون إرادة .
ويوجد إحتمال آخر في تفسير هذه الآيات وهو أنَّهم كانوا يقولون بأنَّ رسول الإسلام ( (صلى الله عليه وآله وسلم) ) يريد أنْ يحرفنا عن طريق الحقّ أو أنّه ساحر قد سحرنا. فردّ عليهم القرآن : مع أنّكم تُقرّون بأنَّ الله هو خالق السماء والأرض والشمس والقمر والبشر ، وهو المدبّر لهذا الكون فكيف يحرفكم أو يسحركم من يدعوكم إلى عبادته ونبذ عبادة غيره ؟ أي عقل يحكم بهذا ؟!
إنّ الكثير من المفسّرين ومنهم ( الطبرسي في مجمع البيان والعلاّمة
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ التفسير الكبير : ج٨ ، ص٣٩٩ وج٢٧ ، ص٢٣٣ .
٢ ـ تؤفكون مشتق من ( الإفك ) ويعني الإرجاع والحرف ولذا يطلق ( الإفك ) على الكذب أيضاً كما تطلق ( المؤتفكات ) على الرياح المعارضة .