نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤
روح الشرك والوثنية سارية في المجتمع الإنساني سراية تكاد لا تقبل التحرّز والإجتناب في المجتمعات الراقية الحاضرة وحتّى في المجتمعات المبنية على أساس رفض الدين ، فترى فيها من النُّصب وتماثيل الرجال وتعظيمها وإحترامها والمبالغة في الخضوع لها ما يمثّل لك وثنية العهود الاُولى والإنسان الأوّلي ، على أنّ اليوم من الوثنية على ظهر الأرض ما يبلغ مئات الملايين قاطنين في شرقها وغربها .
ومن هنا يتأيّد بحسب الإعتبار أن تكون الوثنية مبتدئة بين الناس باتّخاذ تماثيل الرجال العظماء ونصب أصنامهم وخاصّة بعد الموت ليكون في ذلك ذكرى لهم ، وكان ربّ البيت في الرومان واليونانيين القدماء ـ على ما يذكره التاريخ ـ يُعبد في بيته ، فإذا مات اتّخذ له صنم يعبده أهل بيته ، وكان كثير من الملوك والعظماء معبودين في قومهم ، وقد ذكر القرآن الكريم منهم نمرود الملك المعاصر لإبراهيم ( (عليه السلام) ) ... وهو ذا يوجد في بيوت الأصنام الموجودة اليوم ، وكذا بين الآثار العتيقة المحفوظة عنهم أصنام كثير من عظماء رجال الدين كبوذا وأصنام كثير من البراهمة وغيرهم ، واتّخاذهم الموتى وعبادتهم لها من الشواهد على أنّهم كانوا يرون أنّهم لا يبطلون بالموت وإنّ أرواحهم باقية بعده ، لها من العناية والأثر ما كان في حال حياتهم بل هي بعد الموت أقوى وجوداً وأنفذ إرادةً وأشدّ تأثيراً من شوب المادّة ونحت من التأثيرات الجسمانية والإنفعالات الجرمانية ، وكان فرعون موسى يعبد أصناماً له وهو إله معبود في قومه ( وقالَ المَلأ مِنْ قَومِ فرعَون أتذر موسى وقَومَه ليفسِدُوا في الأرضِ وَيذَركَ وآلهتَكَ ) "(١).
وما جاء في هذا البحث هو بعض عوامل الشرك ، ولا بأس في الإشارة أخيراً إلى نقطة تثير العجب ذكرها المؤرّخ الغربي الشهير ( ويل دورانت ) في كتابه التأريخي وأيّده الكثير من الذين سافروا إلى خارج البلاد في هذا العصر
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ تفسير الميزان : ج١٠ ، ص٢٧٥ ـ ٢٧٧ ( مع التلخيص ) .