نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٦
يَسمَعُونَكم إذْ تدعون أو يَنفَعونَكم اَو يَضرّون ) ، أي أنّها ( الأصنام ) إن لم تنفع ولم تضرّ فلابدّ من أن تسمع نداء عبّادها على الأقل وإلاّ لا معنى لعبادتها .
ولكن اُولئك الذين لم يجرؤوا على الإدّعاء بأنّ الأصنام الحجرية والخشبية تسمع دعاءهم وتضرّعهم ، كما أنهم لم يمتلكوا دليلا على إثبات ضرّها ونفعها لتبرير عملهم ، إضطرّوا للتمسّك بأسلافهم والتشبّث بالتقليد الأعمى وقالوا : ( بَلْ وجَدنا آباءَنا كذلك يَفعَلون ) .
وهذا الجواب وإن كان مخجلا إلاّ أنّهم لم يملكوا شيئاً ليقدّموه .
وفي طول هذه الآيات يردّهم إبراهيم ( (عليه السلام) ) بمنطق رصين : ( قالَ أفرأيتُم ما كنتُم تَعبدونَ * أنتُم وآباؤكُم الأقدَمون * فانّهم عَدوٌ لي إلاّ رَبّ العالَمين * الذي خَلَقني فهو يَهْدين * والذي هو يُطعِمني ويَسقِين * واِذا مرِضتُ فهو يَشفِين * والذي يُميتني ثمّ يُحيين * والذي أَطمعُ أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين )(١).
أي أنّه أهل للعبادة فهو المبدىء لكلّ الخيرات والبركات ، لا تلك الموجودات الخاوية والفاقدة للقيمة .
وتنقلُ الآية الثالثة كلاماً لقوم فرعون وفيها إنعكاس لهذا المضمون بشكل آخر حيث تقول : ( قالوا اَجئتَنا لِتلفَتنا عمّا وَجَدنا عليه آباءَنا وتكونَ لكما الكبرياءُ في الأرض )(٢) وعليه ( وما نَحنُ لَكُما بِمُؤمنين ) .
انّهم إستندوا ـ في الحقيقة ـ إلى هذه النقطة فقط لإثبات صحّة مسلكهم وقداسته وهيى أنّ هذا هو طريق الأسلاف ودينهم وعادتهم ، ولكي يتّهموا موسى وهارون بأنّهما يتآمران قالوا : إنّكما تبغيان الحكومة عن طريق الدعوة إلى التوحيد وهدم الشرك وعبادة الأصنام من أساسها ولا نسمح بذلك ! ويبدو أنّ هذا الكلام اُلقي من قبل زبانية فرعون حيث عارضوا دعوة موسى وهارون
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ ـ سورة الشعراء : آية ٧٥ ـ ٨١ .
٢ ـ ( لتلفتنا ) من ( لفت ) وهو الصرف عن الشيء أو الإلفات إلى الشيء لو تعدّت بـ ( من ) فإنّها تعني الإنصراف و بـ ( إلى ) فإنّها تعني ( التوجّه ) .